الإعجاز العلمي في القرآن الكريم

3/5/2017

كيف يمكن إقناع الناس أن القرآن الكريم هو كلام الله المنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم؟
في بداية الدعوة، كان الإعجاز البياني في القرآن كافياً لكثير من فصيحي اللسان كي يؤمنوا به، وكانت أخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم قبل البعثة كافية للبعض من أجل تصديق ما جاء به، وكانت قصص الرسل والأقوام السابقين كافية لكثير من أصحاب الديانات من أجل أن يدخلوا في الدين الجديد، كما أن بعض الحجج العقلية المذكورة في القرآن كانت كافية أيضاً لكثير من الناس، التصديق بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. وكانت النتيجة المشتركة التي يصل إليها كل هؤلاء هو اقتناعهم أن هذا الكلام (القرآن) لا يمكن أن يكون كلام بشر بل هو كلام من مصدر آخر من خارج الزمن البشري.
 

كيف لنا اﻵن أن نقنع الناس بأنه كلام منزل من عند الله في عالم يتحدث ويتواصل بلغات متعددة؟
إن المفترض في كلام الله أن يجد فيه كل شخص ضالته ونفسه، فكما وجد فيه الشاعر بياناً معجزاً، فإنه لابد للطبيب والمهندس والفلكي والرياضي وعالم النفس والاجتماع والتاريخ والتوثيق وخبير التغذية والتنمية.. أن يجدوا فيه شيئاً من تخصصاتهم. لابد أن يكون فيه شيء يثبت للطبيب أو الفلكي أو أي مختص في أي مجال، ما يثبت لهم أن هذا الكلام منزل من عند الله.

عندما نزل القرآن الكريم لم يأت بكلمات جديدة ولا بحروف مبتكرة إنما أتى بأسلوب فصيح بشكل جديد وتعبير بلاغي عظيم جعلا منه كلاماً معجزاً لا يستطيع أن يأتي بمثله بشر.. وحديث القرآن عن قصص الأنبياء والأقوام السابقين والتي كان بعضها إجابة على بعض أسئلة أهل الكتاب، جعل كثيراً من هؤلاء يقتنعون أنه لا يمكن لشخص عادي أن يلم بهذه القصص إلا إذا كان وحياً جاءه من الله عز وجل.
 

ما الذي يمنع إذن أن يكون في القرآن الكريم حقائق علمية وصل إليه العلم الحديث بعد التطور العلمي والتكنولوجي؟

إن الحقيقة العلمية الموجودة في القرآن لابد أن تكون دليلاً على أنه منزل من الله، بمعنى أن نصل إلى نتيجة أن هذه الحقيقة لا يمكن أن يصل إليها إنسان في تلك الظروف والبيئة التي بعث فيها الرسول صلى الله عليه وسلم إلا إذا كان من مصدر خارجي لا يرتبط بزمان ولا مكان.

لا شك أن في القرآن إجابات لكثير من الأسئلة لكنها إجابات في إطار نسق كامل متكامل، فالقرآن لم ينزل للحظة تاريخية محددة ولا جاء لتعطيل عقارب الساعة في لحظة محددة إنما جاء ليواكب الإنسانية بحلوها ومرها إلى أن تفنى الحياة.

ليس بالضرورة أن يصل المسلمون أولاً إلى هذه الحقيقة العلمية -وإن كان ذلك مطلوباً- بل يكفي أن يصل إليها من يصل ويقارنها بما ذكر في القرآن، وليس مطلوباً أن يتحول القرآن إلى كتاب فيزياء ولكن المهم أن نصل بالفيزياء إلى أن القرآن كتاب منزل من الله عز وجل.
 

ربما بالغ البعض في تفسير بعض الآيات في القرآن الكريم وقدمها بشكل ربما يفقدها قدسيتها لكن هذا ليس مبرراَ كي نضرب في الإعجاز العلمي طولاَ وعرضاَ، إن العودة إلى كثير من التفاسير القديمة أيضاَ سنجد منها ما يحتاج للنقد والتمحيص خاصة ما يتعلق ببعض الآيات الكونية.

لا شك أن ورود بعض الآيات في القرآن الكريم والتي تتوافق مع ما وصل إليه العلم الحديث فتح شهية بعض المسلمين من أجل المضي بعيداَ في تفسير بعضها، لحد أراد بعضهم الحسم في بعض النظريات العلمية من خلال الآيات القرآنية.

أعتقد أن هذه الطريقة محفوفة بالمخاطر لأننا نخلط بين الحقيقة الثابتة التي يحملها النص القرآني وبين نظرية علمية لا تثبت ولا ترفض إلا بالوسائل التي أنتجته،. وإن الحقيقة العلمية التي يحملها النص القرآني يجب أن لا تخرج أبداً عن المعنى اللغوي لمفرداته وفق استعمالات العرب زمن نزول الوحي، ويجب مقارنتها بحقيقة علمية ثابتة قطعية لا تحتاج للتأويل أو الظن.

لا مانع أن نقدم تفسيرات علمية لبعض الظواهر الكونية من خلال الآيات القرآنية لكن ليس من باب حسم النظريات العلمية ولا من باب السبق العلمي إنما من باب أن حديث القرآن عن الظواهر الكونية ليس حديثاً اعتباطياً بل هو دعوة للبحث والتفكير والتدبر، وأن مجرد ورود هذه المواضيع في القرآن الكريم كاف لكل ذي عقل أن يعلم أن وراءه حكمة ما.

حتى في بعض التفاصيل فالقرآن بذكرها يؤكد أنه كتاب سماوي، فمثلاً عندما يقول القرآن أن السماء والأرض كانتا رتقاً فهذا يعني فعلاً أنهما كانتا شيئاً واحداً وهذا يكفي كمعجزة علمية. أما طبيعة هذا الرتق فهذا متروك للعلم كي يجيب عليه.


في الأخير سنجد أن التفسير العلمي الصائب سيكون منسجماً مع المعنى اللغوي لكلمة "رتقاً". وعندما يقول الله عز وجل أنه ينشئ السحاب الثقال ففعلاُ هي سحب ثقيلة ويكفي هذا إعجازاُ، أما تفاصيل التكون ولماذا هذه السحب ثقيلة فهذا أمر يخوض فيه العلم، ولكن في النهاية لن تخرج نتائج البحث العلمي عن ما يوحي به المعنى اللغوي لكلمة "الثقال".
 

لا شك أن في القرآن إجابات لكثير من الأسئلة لكنها إجابات في إطار نسق كامل متكامل، فالقرآن لم ينزل للحظة تاريخية محددة ولا جاء لتعطيل عقارب الساعة في لحظة محددة إنما جاء ليواكب الإنسانية بحلوها ومرها إلى أن تفنى الحياة.

إن أسئلة وتحديات العصر مسؤولية الإنسانية جمعاء، والإسلام مشروع سماوي للأرض، ولكي نقتنع أنه مشروع سماوي لابد أن نجد فيه صدق ما يدعو إليه. وليس بالضرورة أن نكون سباقين لكل شيء وإن كان ذلك من الأماني التي نسعى إليها، لكن هذا لا يمنع أن نقول لمن تقدم وتطور، أن كثيراُ من الحقائق العلمية التي هي مشترك إنساني موجودة عندنا في القرآن الكريم وأن بفضل هذه الحقائق وصلنا إلى فهم جديد لبعض الآيات.


لا يجب اعتبار الإعجاز العلمي وسيلة لإعجاز الآخرين والتنقيص من قيمة أعمالهم إنما يجب اعتباره وسيلة من بين كثير من الوسائل التي تثبت فعلاً أن هذا الكتاب منزل من الله عز وجل لتتبع البشرية هداه وتستضيئ بأحكامه وأوامره.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة