د.منير لطفي
د.منير لطفي
1.4 k

الأمومة دَيْنٌ لا يَنقضي

7/5/2017
لو كان العالَمُ كتابا لكانت الأُمومةُ أبْلغَ وأفْصحَ مقدّمة له، ولو كان العالَمُ بستانا لكانت الأمومةُ أشْهى وأعْذبَ ثمرةٍ فيه، ولو كان العالَمُ مَنْجما لكانت الأمومةُ أثْمنَ وأنْفسَ معدن به...ورغم اطِّرادها في الحيوانات والطيور دونما استثناء لأسدٍ ضارٍ أو وحْشٍ كاسرٍ أو نسْرٍ جارح؛ بغْية تغذية الصّغار وتأمينهم ضدّ الأخطار وتهيئتهم لخوْض غمار الحياة؛ إلّا أنّها-أي الأمومة- في البشَر أكثر تعقيدا وأكْمل تركيبا؛ وذلك بالنظر إلى جلال رسالتها المُتضمِّنة للرعاية البدنيّة والعقليّة والنفسيّة إلى جانب دورها في التنشئة الدّينية والدنيوية، وكذلك باعتبار سموّ مهمّتها في بناء إنسان العمارة والخلافة والعبادة، وربّما لهذا كانت فترة الاحتضان في الأمومة الإنسانية هي الأطْول على الإطلاق "وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا ۚ"، حتى أنّك لواجِدٌ صغارَ بعض الحيوانات تروم العيْش بمفردها وممارسة دوْرها بمجرّد ولادتها أو بعد حضانة لا تستغرق سوى بضعة أيام.

ونظرا لما تتطلَّبه الأمومة مِن جلَد وصبْر ونصَب وتعَب؛ حتى أنّها لو تَجسَّدت في ثقل لَما أقدم على رفعه بطل الأبطال، ولو تَمثَّلت في مهنة لكانت الأشقّ والأعْنت ومِن ثَمّ الأبْور والأكْسد...فقد جعلها الله-سبحانه وتعالى- غريزة مَركوزة في الإناث، وفطرة عميقة تحلم بها الفتيات وتحنّ إليها النّساء وتبتهج بقدومها الزوجات وتَأسى لفقْدها العاقرات، إذْ على الأمّ أن تحمِل في أحشائها ثقلا يرافقها كظلها ويقاسمها الطعام والشراب ولا يفارقها حال اليقظة أو عند المنام أو حتى في الحمّام " حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ"، ثمّ تحين لحظة المخاض الذي يزلزل كيانَها ويمزّق أعماقَها ويقذف بها إلى أتون الوجع وشفا الموت، وبعده تبدأ رحلة معاناة جديدة مِن التربية والاحتضان والتعليم.

وفي هذا يَحكي أنيس منصور-ولا أدري مِن أين يغرف حكاياه- أنَّ أبا الأسود الدؤلي اختلف مع زوجته على الطلاق وحضانة الأطفال، فقالت الزوجةُ أمام القاضي: أنا مَن حملت وتعبت وأنا الأَوْلى بحضانة أطفالي، فقال أبو الأسود: أنا حملْته قبل حملك وأنا الأحقّ بهم "يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ"، فردَّت الزوجة قائلة: حملتَه أنتَ خفيفا في ظهرك بينما حملتُه أنا ثقيلا في بطني، فحَكَم القاضي للزوجة بالحضانة... وبهذا لا غرابة في المثل الشعبي الذي يقول: "القِرد في عيْن أمِّه غزال"، إذْ للأمومة مرآة متفرِّدة تعكس صورة بَنِيها على صفحة فؤادها لا شبَكيّة عيْنها وتَحكم عليهم بقانون الحدب والحُبّ لا قانون العقل والواقع، ولذا نجدها تنصفهم حين يدينهم الجميع وتصدِّقهم حين يكذِّبهم الكُلّ، وتحسبهم صغارا حتى لو تقدّم بهم العمر، وتُعاينهم غُزلانا في الرشاقة والجمال حين يجمع العالم على أنهم ليسوا إلّا قرودا في الدّمامة والقبح...وهو ما يفسره المثل العربيّ القائل: "حَسَنٌ في كلِّ عيْنٍ ما تَودّ".

مِن الواجب التأكيد على أنّ الأمومةَ مسؤوليةٌ تقتضي التزوّد بالعِلم والتَّحلِّي بالقدوة، والتنبيه على أنَّ دعاوَى تحرير المرأة، ونداءات المساواة بينها وبين الرجل هو انتقاص مِن الأمومة وشرفها وتَعدٍّ سافر على مكانة المرأة وحقوقها.
والأمومة مشتقّة مِن الأمّ التي لولاها لَما كانت الأُمَم ولولاها لَما عُدَّت المرأة شطْر المجتمع، وفيها قِيل: "لو جرَّدْنا المرأة من كلِّ فضيلة لكفاها فخرا أنها تمثل شرف الأمومة"، وقِيل: "الأمومة أعظم هبة خصَّ الله بها النساء"، وقد ارتبطت بالألوهية في المجتمعات الوثنية القديمة وكثر تأنيث الآلهة شكلا واسما لاعتقادهم بأنّ المرأة مصدر الخلْق وأنّ الأمومة أصْل الخليقة، وذلك قبل أن يأتي الإسلام فيصوِّب العقيدة ويتوِّج الأمومة أيّما تتويج، فيُدنِي الجنّة مِن أقدامها، ويَخصّها بثلاثة أضعاف ما للأب مِن عظيم التقدير وحُسْن الصحْبة: "أمك ثم أمك ثم أمك، ثمّ أبوك"، ويَحثّ العَجِيَّ (مَن فقد أمّه) والعجية مِن الأبناء على أداء ديْنها وصيام نذْرها وحجّ فرضها والتصدّق عنها والاستغفار لها والإحسان لذويها، وهو ماعبَّر عنه الشيخ على الطنطاوي فقال: "لو أنصف الأبناء لَما تركوا أمّهاتِهم يَمشون على الأرض، ولَغسلوا أرجلَهم يدموع عيونهم".

وإذا كان الأب والدًا على سبيل المَجاز لأنه لم يلد، وكانت الأمُّ والدةً على سبيل الحقيقة لأنها هي مَن ولدت، فإنَّ رابطةَ الأمومة أشمل وأعمّ مِن رابطة الوالِديّة، إذْ تشتمِل على شقّ بيولوجي يَستند إلى الجينات والهرمونات ويقوم بالحمْل والرضاعة والولادة، وشقّ نفسيّ يُحِبّ ويَحنو ويَرعَى وتكتمل به الأمومة الكامِلة، ولذا جاء الذكر بلفظ الأمّ مفرَدا وجمْعا في ثمان وعشرين موضعا قرآنيا بينما جاء بلفظ الوالدات في ثلاث مواضع فقط، كما عُدَّت زوجات النبي صلى الله عليه وسلم أمّهات للمؤمنين لا والدات وذلك على سبيل التعظيم والتقدير، وجاءت أمثلة الأسوات والقدوات مِن النساء في صورة أُمّهات وأُمّات؛ فكانت أمّ سيدنا موسى التي احتفل بها القرآن الكريم وقصّ قصّتها في غير موضع حين أقر الله عز وجلّ عينَها وحفظ لها أمومتَها "فَرَدَدْنَاهُ إِلَىٰ أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ"، وكانت أمّ سيدنا عيسى التي خصّها المولى عز وجل بسورة كاملة تحمل اسمها ومَنَّ عليها بأشرف حَمْل وأعزّ مولود وخير اصطفاء، وكانت أمّ سيدنا اسماعيل التي خلَّدت فريضةُ الحجّ سعيَها وتَعطّر بشرف النبوّة نسلُها.

ولعلّ مِن الواجب هنا التأكيد على أنّ الأمومةَ مسؤوليةٌ تقتضي التزوّد بالعِلم والتَّحلِّي بالقدوة، والتنبيه على أنَّ دعاوَى تحرير المرأة والزجّ بها في معتركَات ليست لها ونداءات المساواة بينها وبين الرجل هو انتقاص مِن الأمومة وشرفها وتَعدٍّ سافر على مكانة المرأة وحقوقها، هذا بالإضافة إلى وجوب الاعتراف بالعجز عن الوفاء بدَيْن الأمومة الذي لا يَنقضي والإقرار بأنّ ما نفعله مِن بِرٍّ-مهما كبر-لا يَعدو حاشية على متْن وموْجة في بحْر وصدًى لقول الشاعر أبي القاسم الشابي:
"بُوركْتِ يا حرَم الأمومةِ والصِّبا *** كم فيكِ تكتمل الحياةُ وتَقدُسُ"

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة