شريف محمد جابر
شريف محمد جابر
10.8 k

ما الفرق بين الحبّ والمودّة؟

8/5/2017
قرأنا كثيرًا قول الله تعالى: {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}. وتساءلنا: لماذا لم يقل ربّنا سبحانه "حبّا ورحمة"؟ أليس الحبّ شيئا جوهريّا لا بدّ من حصوله بين الزوجين؟

الحبّ هو تلك الكلمة التي فهمنا مذ كنّا صغارًا أنها أسمى ما يمكن أن يكون بين الرجل والمرأة، أو هكذا قيل لنا.. أحبُّ تلك الفتاة، أهيم عشقًا حين أذكرها وأنا جالس في الغرفة وحدي.. أشعر بوجع عميق في قلبي لغيابها، فيغيب عنّي النوم ولا تغيب صورتها الدافئة.. وحين أراها تتسارع دقّات قلبي ويكاد يقفز من مكانه! أليس هذا هو الحبّ الذي عرفه المحبّون عبر التاريخ وخفقتْ به خواطرهم وأشعارهم؟

يقول العبّاس بن الأحنف:
يَدُلُّ عَلى ما بِالمُحِبِّ مِنَ الهَوى ***  تَقَلّبُ عَينَيهِ إِلى شَخصِ مَن يَهوى
وَإِنْ أَضمَرَ الحُبَّ الَّذي في فُؤَادِهِ ***  فإنَّ الذي في العينِ والوجهِ لا يخفى!
فالحبّ هوًى في القلب، غاية ما يريده لقاء المحبوب والأنس به.

حيثما كان الحبّ كان لا بدّ من "مودّة" تَظهر في الجوارح والسلوك، إذ "العداوة" (وهي ضدّ المودّة) لا تكون إلا بكلام أو عمل يظهر على سلوك المرء
يقول جميل بن معمر:
لامني فيكِ يا بُثينةُ صَحبي ***  لا تلوموا قد أقرحَ الحبُّ قلبي
زعمَ الناسُ أنّ دائيَ طِبّي ***  أنتِ والله يا بُثينةُ طِبّي
فالحبّ هنا "مرض"، والمحبّ مريضٌ ينتظر الدواء وهو اللقاء بالمحبوب..
فهل تلك الحالة "المرَضيّة" -إنْ جاز التعبير- هي الحالة المطلوبة لزوجين سعيدين؟

ها قد لاقى المحبوب محبوبته وسكنا إلى ركن الزوجية الدافئ، فما عاد الغيابُ دافعًا للشوق والذكرى، وما عاد الوجد يفتكُ بقلوب المحبّين ولا يؤرّق نومهم.. فماذا تبقّى من الحبّ إذن؟
بقيتْ المودّة والرحمة ميثاقا غليظا يربط ذلك اللقاء الطويل حتى الممات..

وانظر إلى جميل بثينة نفسه وهو يقول:
فأصبحتُ مما أحدث الدهرُ موجعًا ***  وكنتُ لريبِ الدهرِ لا أتخشّعُ
فيا ربِّ حبّبني إليها وأعطني ***  المودّةَ منها أنتَ تُعطي وتمنعُ
فهو يرى الحبّ وجعًا دائما، "المودّةَ" غايةً ومطلبا..

الحبّ وجعٌ ينقدحُ في القلب ويُرهقه الفقدُ والغياب، والمودّة لقاء دافئ يُطبع في جوارح المحبّين..
ولمّا كانت المودّة منوطة باللقاء، كان لا بدّ من "رحمة"، فأيّ لقاء يكون إذا غابت الرحمة؟
الحبّ اندفاعةٌ للانفراد بالمحبوب.. هوًى محمومٌ لا يهدأ إلا بلقائه، ولكنّه في ذاته لا يضمن نتيجة اللقاء.. ولا يكبحُ المحبّ عن الإيذاء!

يرغبُ المحبّ في تملّك المحبوب، وكأنّما هو طفلٌ يهفو للعبته المفضّلة، ولكنّ تعلّقه الشديد بتلك اللعبة لا يمنعه من أن يستبدّ بها ويُعمِل فيها تجاريبه الماكرة!

فحيثما كان الحبّ كان لا بدّ من "مودّة" تَظهر في الجوارح والسلوك، إذ "العداوة" (وهي ضدّ المودّة) لا تكون إلا بكلام أو عمل يظهر على سلوك المرء. وكذلك المودّة، ليستْ شيئا يخفق به القلب ويودَعُ في القصائد فحسب، ولكنّها حُسن معاملة أساسه شعورٌ جميل وسلامة صدر، ولكنّ هذا الأساس لا يسمّى "مودّة" إلا بعد أن يظهر في السلوك.

مشاعر الإنسان أوسع من أن تُحصر في أنثى من طين، فأيّ أفق ضيّق ذاك حين يحرق الإنسان مشاعره وإبداعه في التمركز حول إنسان واحد في هذا العالم!
وهل تكفي المودّة وحدها؟
يقول سبحانه: {وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً}. فلا بدّ من "رحمة" تهذّب بنقائها شوائب النفوس، وتَحْفِزُ عناصر الخير في قلوب المحبّين ليرفقوا بأزواجهم ويُحسنوا، والله يحبّ المحسنين..
 

فإذا كان الأمر كذلك، فما الذي أراده الشعراء المحبّون بحبّهم ذاك الذي نزفوه قصائد هي من أروع ما أنتج الشعر العربي وأصدقه عاطفة؟ لقد كان المحبّون في الواقع أسرى حبّهم وتجاربهم العاطفية، كانوا "ينزفون" الشعر ولا يكتبونه..

وقد نزف جميل بثينة ذات وجع:
عدِمتُكَ من حبٍّ أما منكَ راحة ٌ ***  وما بكَ عنّي من تَوانٍ ولا فَتْر!

ونزف قيسُ لبنى شاكيًا جراح الحبّ:
ولَوْ أنَّني أسطيعُ صبرًا وسلوةً ***  تَنَاسَيْتُ لُبْنَى غَيْرَ مَا مُضْمِرٍ حِقْدَا
وَلكِنَّ قَلْبي قد تَقَسَّمَهُ الهَوَى *** شتاتاً فَمَا أُلْفَى صبورًا ولا جَلدَا
سليْ اللَّيلَ عنِّي كيف أرعَى نُجُومَهُ *** وكيفَ أقاسِي الهَمَّ مُستخلِيًا فَرْدَا

لا يجادل إلا مكابر بأنّ شعر الحبّ العذري من أعذب وأرقّ أصناف الشعر التي أبدعتها قريحة الشعراء العرب عبر التاريخ. ولكنّي حين أنظر إلى آفاق ذلك الشعر، متجاوزًا قليلا عذوبة الألفاظ وصدق التجربة الشعورية؛ أجدُ أفقًا ضيّقا لإنسان انساقَ خلف أهوائه ومشاعره ليختزلَ أحلامه وآماله في مجرّد الوصال بمحبوبته.. وهي حالة غير سويّة، ولا تفضي بالمحبّ إلى تحقيق دوره كإنسان، بل ولا إلى تحقيق أحلامه التي بثّها في قصائده؛ فالوصال السويّ يحتاج إلى أكثر من قصائد رائعة!

إنّ مشاعر الإنسان أوسع من أن تُحصر في أنثى من طين، فأيّ أفق ضيّق ذاك حين يحرق الإنسان مشاعره وإبداعه في التمركز حول إنسان واحد في هذا العالم!

الحبّ من أسمى مشاعر البشر ولا يملك الإنسان كبتَه، والمرأة هي الرفيق في مسيرة مكابدة الحياة، ولكنّ الحياة أكبر من التمركز حول العشق الاحتياجي لأنثى من لحم ودم.

إنّنا حين نطالع أشعار المحبّين العرب لا نجد -إلا نادرا- أحلامًا كبرى أو آفاقًا سامية يرتجيها الشاعر في حياته، بل نجد أنّ الكلام مع المحبوبة يساوي عنده الدنيا وما فيها كما قال جميل:
لتكليمُ يومٍ من بثينةَ واحدٍ ***  ألذُّ من الدنيا لديّ وأملحُ!

يشبه المحبّ في هذه الحالة المدمنَ الذي لا يفكّر بشيء سوى تعاطي المخدّر الذي يزيل عنه الألم، فلقاءُ المحبوبة لا يهدف لشيء غير إطفاء النيران المشتعلة في قلب المحبّ، والتي لا تدع له مساحة من الفكر والشعور ليؤدّي دوره الطبيعي كإنسان مستخلَف في هذه الأرض..

كان بوسع هؤلاء الشعراء أن يحتفظوا بحلم المرأة مع تجاوزه إلى آفاق أبعد، فالحبّ من أسمى مشاعر البشر ولا يملك الإنسان كبتَه، والمرأة هي الرفيق في مسيرة مكابدة الحياة، ولكنّ الحياة أكبر من التمركز حول العشق الاحتياجي لأنثى من لحم ودم.. قد تكون المرأة جزءًا من هذا الأفق الواسع، لا الأفق النهائي كلّه!


استدراك واجب:
وكأنّ جميل بن معمر قد بُعث من قبره الآن وقال: "يسعُ العاذل أن ينعى علينا، ولكنْ مَن ذاق الحال عذَر".. ثم مضى إلى قبره هزيلا وهو ينشد:
يهواكِ ما عشتُ الفؤادُ فإنْ أمُتْ ***  يتبعْ صدايَ صداكِ بين الأقبرِ!
فهل نفعت بثينة جميلا بعد الموت؟ وهل أطفأتْ نارَ حبّه في القبر؟!

رحم الله جميل بن معمر ورحم الله بثينة..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة