سومر العبيد
سومر العبيد
569

اللغة بين السُّلْطة والسَّلَطة

10/6/2017
بدايةً قد يكون من المشكل شرحُ العنوان قبل الشروع في الحديث عن صلب الموضوع، و"استباق الأحداث" كما يُقال. وانطلاقًا من القول القائل إن "الأمثلة خير بدايات" -للتقريب، وليس للشرح- فإنني أقول إنني فيما لا يزيد عن سطرين، في الأعلى، خادعتُ مرّتين، لتمرير شيءٍ ما.

حسنًا. فلنبدأ من جديد: بالحديث عن السُّلطات في مقامٍ كهذا، فإنه لن يسعفنا المجال لوضع ضابطٍ لها، أو تحديد أسوارها وحدودها وما يتعلّق بها. لذلك فإننا بالقفز على هذا الكلام الطويل. نبدأ بسلطتنا هذه التي في العنوان، سلطة اللغة. وأعني بسلطة اللغة التصديق بالتركيب اللغوي، غير المنطلق من مكوّن آخر إلى جانب اللغة، من مثل الدين، والعلم، والمحدّدات الأخرى. التي قد يتبنّاها المرء، فيسلّم بها. وإنما استثنيناها، لأن إطلاق هذه السلطة اللغوية، سيجعلنا أمام كل التراكيب اللغوية.. ولأن اللغة هي الحاملة لكلّ شيء، فإننا سنتحدّث عن كلّ شيء! وهذا غير معقول. إنما أقصد اللغة كعنصر مستقل.

أما الشقّ المُلحق بهذا التعريف المتكسّر، فإنه المعني بكلمة (سلطة). والسلطة القائمة بمعناها هنا، المراد منها، أنها الأخذ بالشيء تسليمًا –ممكنٌ ببعض النقد أحيانًا- وتصديقًا، مما يمنح التركيب اللغوي هذا قدرةً على النفاذ إلى ذات المتلقّي. بخصوص لغتنا العربية، فأننا سنقسم الحديث إلى أقسامٍ ثلاث، هي: الشعر، الأمثال، والقسم الثالث أحتفظ به للنهاية.

لا تحكم على الكتاب من عنوانه. ولكنّهم يا صديقي يقولون أيضًا: الكتاب يُعرف من عنوانه.. غريب صحيح! هذا طبيعيّ، لأن المرمى من كلٍّ منهما مختلف، ولا وجود لحقيقة تجعلنا نحدد هل نحكم على الكتاب من عنوانه أو لا نفعل.
تناولًا لسبب انبعاث مثل هذه السلطة، أو تكوّنها على الأقل، فإن هذا يقتضي منا بحثًا مطوّلًا نستغني عنه هنا في هذه المقدمة القصيرة جدا. لكننا في مقامنا هذا لن نستغفل سببًا واحدًا، ألا وهو أن الإنسان ينزع دائمًا للتسليم، وهذا الأمر واضحٌ جليّ، ولا يتكوّن إلا تراكمًا. فيصنع دون إدراكه في اللغة تراكيبًا يظنّها مصدّقة، حتى لا يلجأ إلى التفكير فيها أو ربما تناولها بالنظر، حتى لاحقًا. وهذا إنما يسري في الأمثال أكثر منه في الشعر. لأن الشعر لا يحتاج التراكم حتّى يصنع صدقيّته. للعرب نزعةً عجيبة في التسليم للشعر وإعطائه سلطةً نصيّة.. وهذا لا أكاد اجد له تفسيرًا واضحًا.

فلنأخذ كمثالٍ، مثلين أو قولين، أو تركيبين، شهيرين ومتعارضين ونشرح فكرةً بعدهما:
يقولون: (لا تحكم على الكتاب من عنوانه). ولكنّهم يا صديقي يقولون أيضًا: (الكتاب يُعرف من عنوانه). غريب صحيح! هذا طبيعيّ، لأن المرمى من كلٍّ منهما مختلف، ولا وجود لحقيقة تجعلنا نحدد هل نحكم على الكتاب من عنوانه أو لا نفعل.. وهذه هي وظيفة السلطة، أن تغور في النصّ، وتعطيه مصداقًا، كأنه برهان! فعندما أخبرك عن شخصٍ استأتَ منه برؤيته فقط، واتخذتَ موقفًا تجاهه: (لا تحكم على الكتاب من عنوانه، أعطه فرصة). ستأخذ بقولي. وعندما أبغضُ شخصًا دون مجالسته، برؤيته فقط، فأعزز موقفي بقولي: (يا رجل، الكتاب يُعرف من عنوانه). ليس بالضرورة أن يقع التعارض بين مثلين حتى نفهم أنهما منقوضين من الأساس، فهذا نادر.

سأعود إلى السطرين في البداية. لماذا لم تقلْ يا صديقي القارئ إن من حقّك أن تعرف معنى العنوان، ولا تصدّق بالقول: (لا تستبق الأحداث)، وتسير خلفي طالبًا الدخول بصلب الموضوع فعلًا حتى يتضح العنوان؟ هذا ونحن نعلم أنه لا وجود لبروتوكولات اتفقنا عليها بخصوص بدايات المقالات أو النصوص بشكلٍ عام، أنشرح العنوان أن نُرجئ ذلك. ثم ما الذي جعل الأمثلة خير بدايات؟ كل شيء يدور في هذا الفلك.

بعيدًا عن الخدائع والمكائد في هذا النصّ، أتمنى لو تُرجع ثقتك بي قليلًا حتى نتحدّث عن صناعة هذه التراكيب. من أهم ما أراه يبدو مؤثرًا في صناعتها ثلاثة أمور: أولًا:البناء الفني. ثانيًا: الإيجاز وثالثا: الإفادة. رابعًا: الحتميّة.

فإن أول ما تقوم عليه هذه الأمثال أو العبارات، أنها مبنيّة وفقًا للأجراس الكلامية، مما يجعلها سهلةً قريبةً إلى القلب، وهذا من الذكاء السمعي، الذي لا يفارق العرب في صنعتهم الكلامية، ثمّ إن هذا الكلام لن يكون أي كلامٍ طبعًا، فإنه ثانيًا يكون قصيرًا، حتى يقصد أكثر، وبعد ذلك ذا فائدة في المواطن التي يُقصد فيها. أما بعد ذلك فإنه يقوم على تسليمٍ مُطلق، فتنتهي فيه دلالات الإمكان، أو التشكيك أو ما إلى ذلك. وأخيرًا رغم أنه خارج القائمة، وهذا مقصود لأنه يكاد يكون سببًا في الصناعة أكثر من كونه متطلّبًا للوجود، هو الحاجة. الحاجة إلى مثل هذا المثل. فإنه دون الحاجة إليه لا يكون له سلطة.

خبر الإعلامِ يكون موجزًا، فائدًا، مبنيًّا بناءً مُحكَمًا، وحتميًّا لا يقبل النقاش. و"الأسبق أصدق" كما يقول المثل. لأن حتميّة خبر، لا تلغيه حتميّة خبرٍ بعده ينقضه. ولا يخفى أن الإعلام أكبر ساحة جدالٍ وكذب ودجل.
الأمر الثالث يا صديقي، الذي خبأته حتى النهاية، من أجل أن يكون "ختامها مسك" –سلطة أيضًا هنا-فإنه: الخبر. والمقصود بالخبر شقّين، الأول: الخبر الأدبي، من قبيل القصص، ونوادر السَّمر وما شابههما. قد يقول القائل صدّقناك في الأوليين، أما هنا فلا يكون خبر الأدب صادقًا مسلّمًا. فأقول: لأن خبر الأدب يفقد شرط الديمومة، فهو مارٌّ عرضيّ. ويكون أمامه محدّدات أخرى للحكم عليه. لأنه يعرض إلى الذهن قليلًا، فيقلّبه المرء، ولا يتجاوزه وثبًا، مثل الأمثال والشعر.

أما ثانيًا: فإنه الخبر المنْويُّ به الإعلامُ. من خبر السياسة، والرياضة، والفن، وأخبار الناس، وأخبار المجتمع، وكل ما شابهه. وهذا هو القصدُ من كلّ ما سلف. والقصد من عرض هذا النوع من سلطة اللغة، تبيينه لأنه مغفولٌ عنه. ولن أفيض فيه كثيرًا.

خبر الإعلامِ يكون موجزًا، فائدًا، مبنيًّا بناءً مُحكَمًا، وحتميًّا لا يقبل النقاش. و"الأسبق أصدق" كما يقول المثل. لأن حتميّة خبر، لا تلغيه حتميّة خبرٍ بعده ينقضه. ولا يخفى أن الإعلام أكبر ساحة جدالٍ وكذب ودجل.

أما سؤالك يا صديقي عن النصف الثاني من العنوان فإنه يا سيدي، ليس بعد سُلطة اللغة في الخبر، إلا سلطة اللغو.. فترى الناس تنعق بما لا تسمع.. وحسبي قوله تعالى: ((كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّىٰ إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا)). النور- 39.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة