ياسر السيد عمر
ياسر السيد عمر
587

متسلق على الأكتاف

7/6/2017
بينما يجلس نظيره في المكان الآخر لتطوير عمله وتحسينه، وكتابة ونسج الخطط والبرامج للارتقاء بمؤسسته، يحمل هو بيده هاتفه الموصول بسماعة البلوتوث لينتقل في الحديث من حليف لآخر، ومن صديق حقيقي إلى آخر مزيف، ليكمل مؤامراته وحبكاته الدرامية لقصصه اللامنتهية. ليس المهم عنده هو الإنتاج، ولا معنى للإنجازات إن لم تكن عن طريقه أو من خلال حلفائه، فتتويج الإنجازات له، ونسبها يمر عبر نسبه، وما دون ذلك عبث لا يستحق الإشادة.

نظرية المؤامرة تعشعش في ذهنه، ولكن بالمقلوب هذه المرة، فهو من يكيد المؤامرات، وهو من يدير المؤسسة بعقلية المخابرات بفروعها الاستثمارية المتعددة. تتحول بعض المؤسسات فجأة من دار للإنتاج والعمل إلى مقر للغيبة والنميمة، وتحليل الشخصيات، ودراسة الحالات المستعصية وغير المستعصية، ودراسة مدى تأثير اللوبيات على الأفراد والمجتمعات، والفاصل بين الأولى والثانية هو مدير جديد لا يميزه شيء سوى أنه مريض نفسي!


بينما تكون المؤسسة في أحلك حالاتها وأصعب ظروفها، وفرق العمل متجمعة تبذل أفضل ما في وسعها لتحقيق المطلوب والوصول إلى الإنجاز، تراه هو مشغولاً بترتيبات الاحتفال ما بعد الإنجاز، و"بروزه" وتلميع نفسه قبل العمل، أما الفريق فهو على الهامش إن لم يكن ملغياً بالكامل من حساباته.

حماية المؤسسة واجب أصيل على كل المؤسسين الساعين لبناء مؤسسات دائمة العمران والاستمرار، وإلا فإن مؤسساتنا ستبقى عرضة للسرقة من قبل أصحاب الأهواء الماهرين في تسلق الجدران والصعود على أكتاف الآخرين.

مدير كهذا، يعي ما يفعل تماماً، يحسب كل خطوة ويزنها بميزانها، ويرتب الأعمال والأشغال ترتيباً مدروساً.. اتصالات قبل الاجتماع وبعده، ترتيبات قبل الذهاب إلى العمل وبعده، لقاءات مسائية وليلية تكمل السيناريو وتدعمه، وكل هذا حسب أولوياته لا أولويات مؤسسته، وحسب ما هو مهم له لا حسب الأهم لعمله، فهو يبني لنفسه لا لعمله، ويقدم لأجل مشروع شخصه لا المشروع المؤتمن عليه.


أسوأ ما في هذا النوع من المدير أنه يحول المؤسسة إلى مزرعة لشخصه، ومن يدعمه، من عائلة وأصدقاء وحلفاء، فالتعيينات من نصيبهم، والزيادات والترقيات حلالهم، والمكافآت حق طبيعي في الحياة لهم، ورحلات السفر ومياوماتها ومصاريفها لا تحل إلا لهم! ومن يراقب مديراً كهذا؟ إما مجلس إدارة مغيّب لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، أو مدير آخر متواطئ يسعى في دربه الشخصي كما يفعل الآخر.


تبنى المؤسسات بكثير من الجهود والأوقات والأفكار والبرامج التي ترفع اسم المؤسسة وتجعلها علماً وسط محيطها ومجتمعها، ويضع المؤسسون والعاملون بضعاً من أعمارهم لبناء حلم جميل راودهم ودغدغة أفكارهم فترات طويلة، ليأتي من بعد ذلك متصيد عابث لا يؤمن بالمجموع ولا يفهم سوى لغة الفرد وشهوة السلطة ليعبث بكل هذا ويرمي كل تلك الجهود عرض الحائط ويصوب السفينة نحو قبلة نفسه ونزواته، ويقف فوقها مدعياً الانتصار وتحقيق الأحلام!


لم تتحول بعد مؤسساتنا إلى مؤسسات حقيقية، ضابطة لعمل الفرد ومنظمة له، بل ما زالت عرضة للانتزاع والسرقة من قبل تجار يتقنون فن "التطفيش" و"الانتزاع والإحلال"، من خلال انتزاع المؤسسات من أصحابها الحقيقيين وتطفيشهم، لإحلال آخرين لا مهارة لديهم سوى التطبيل والتزمير.
حماية المؤسسة واجب أصيل على كل المؤسسين الساعين لبناء مؤسسات دائمة العمران والاستمرار، من خلال توثيق رباطها الداخلي، وإحكام نظمها وأوراقها الداخلية الناظمة للعمل والمنظمة له، وإلا فإن مؤسساتنا ستبقى عرضة للسرقة من قبل أصحاب الأهواء الماهرين في تسلق الجدران والصعود على أكتاف الآخرين.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة