حسين بوبيدي
حسين بوبيدي
1.6 k

نقطة في الإلحاد

9/6/2017

يكتفي البعض في التعاطي مع قضية الإلحاد بزاوية الحرية، معتبرين أسطوانة "حرية المعتقد" قادرة على استيعاب كل الظواهر الفكرية النشاز في مجتمعنا، مع أن القضية أعقد من ذلك بكثير، ولا شك في أن تسطيح النقاش حول الموضوع يعبر عن عدم قدرة على تنويع زوايا النظر له، أو الوقوع تحت وطأة بعض الآراء التي تجد قوتها لا من حيث معقوليتها أو قدرتها على الإقناع، بل من حجم تكرارها، وترسيخها كموقف غير قابل للخلاف والاختلاف.

مجتمعاتنا مجتمعات يمثل الدين فيها واسطة العقد، فهو الذي يحكم طبيعة العلاقات بين الناس، وعندما أقول بين الناس فهو تعبير عن الأسرة الصغيرة والكبيرة والجيران والمجتمع والتعاملات والعلاقات، وهو الذي يرسم المنظومة الأخلاقية التي تمكن من وضع معيار للتحسين والتقبيح، فيسمح بحدوث تناغم في شبكة التصورات حول المواقف والحوادث والممارسات، وذلك ما يمكن من تحديد المبادئ التي تجمع الناس ويشعرون من خلالها بوحدة تصوراتهم وانتمائهم، وهو ما يؤدي في الأخير لتضامنهم وتعاونهم وتراحمهم مشكلين مجتمعا يمتلك من القيم المشتركة ما يحقق بها التعايش الآمن.

أتمنى من الكتاب أن لا يكرسوا هذه الحرية المزعومة، فهم من حيث لا يشعرون يؤسسون لخراب قادم من الغرب الذي يصدر لنا أمراضه مجانا، ويبيعنا إنجازاته بمحمولاتها الثقافية.

الدين هو الذي يفسر وضعنا، يعطينا إجابات حول انتمائنا، وحول أسمائنا التي تحمل دلالات عن وجهة قلوبنا وعقولنا، ويفسر لنا التحولات التي طرأت على معتقداتنا وتصوراتنا بعد أن اعتنقنا هذا الدين، ونطل من خلاله على حلقات تاريخنا ونهضتها وتخلفنا، لأنه بمثابة المنظومة المعرفية التي تحكم نظرتنا للأشياء، وتفسر ذلك الشعور الذي يكتنفنا فنهتم بأحوال إخواننا وإن تعددت اللغات والأعراق وتباعدت الأماكن، وهو الذي يمكن إصلاح فهمنا له من امتلاك قدرة انطلاق لا تملكها الأفكار الفلسفية، ولا التصورات الأكاديمية، ولا النزعات العرقية والشحنات الوطنية.

إن تفجير كل هذه التصورات من خلال الزعم ببطلان كل حديث عن الغيب والدين والنبوة والوحي والقرآن والحلال والحرام والأحكام، هو عملية تفجير للمجتمع والوطن والأمة، بل هو قضاء على كل القيم المشتركة التي تمكننا من الشعور بوحدة الانتماء والتعايش في مجتمع واحد، إنه بمثابة قذف المجتمع نحو الفراغ، وتشتيت لحمته وكسر وحدته، وهو إعلان بعدم وجود مظلة فكرية يستند لها الناس، ويمارسون من خلالها حياتهم.

الإلحاد عندما يتحول إلى ظاهرة اجتماعية تستند لمقولات تريد فرض نفسها ليس موقفا شخصيا، لأنه شكل من أشكال الدعاية لأنموذج اجتماعي جديد، يعيد وضع الأسس التي يراها بزعمه مشتركا إنسانيا، بينما هي مجرد انبهار بوضع غريب على مجتمعنا؛ جاء في الغرب كحل لمرض انتفاء الإيمان، وليس تتويجا للإلحاد، لأن الإلحاد في حقيقته مرض يحتاج علاجا، بل ورأفة في العلاج، لأن صاحبه مريض بوهم العلم المعرفة، بينما يعيش حالة التيه عبر ردود الفعل.

إن الزعم أن الإلحاد لا يمكن إلا أن يكون فرديا، ولا يشكل البتة خطرا على المنظومة المعرفية الإسلامية، لأنه لا يتجاوز الموقف الأنطولوجي، ويجد صاحبه نفسه خاضعا لأعراف مجتمعه بحمولتها الدينية دون قدرة على الفكاك منها، إنما هو تصور يجهل حجم التحولات التي تطرأ على الافكار، ويتجاوز أحكام التاريخ التي تبين أن الكثير من الآراء الشاذة تحولت في غفلة من الحكماء إلى تيارات هدامة تؤسس للفرقة والانشطار وتخريب الأوطان، وخاصة إذا كانت منبهرة بشكل من أشكال النماذج الخارجية.

إن تفجير كل هذه التصورات من خلال الزعم ببطلان كل حديث عن الغيب والدين والنبوة والوحي والقرآن والحلال والحرام والأحكام، هو عملية تفجير للمجتمع والوطن والأمة.

لأنها ستكون مقدمة لوضع اليد في الذين ترى فيهم قبلتها، فالبهائية والقاديانية وغيرها من المذاهب الهدامة لم تكن يوما سوى أفكار فردية، بينما وفرت لها آليات الدعاية والدعم والاستغلال لتحولها لطوائف وأقليات جديدة، لا تزال تشكل أخطارا على الهويات الجامعة والقطرية، ومقاربة موضوع الإلحاد من هذه الزاوية يجعلنا نستوعب الاختزال الكبير الذي يتعاطى به المتابعون مع ظاهرة صارت تتموقع إعلاميا وكتابة وتصدر المجلات الإلكترونية، وتقدم منظومة فكرية تريدها أن تكون مستوعبة لكل القضايا التي ترى نفسها بديلا فيها، لتعيد صياغة المجتمع كما تريد.

أتمنى من الكتاب أن لا يكرسوا هذه الحرية المزعومة، فهم من حيث لا يشعرون يؤسسون لخراب قادم من الغرب الذي يصدر لنا أمراضه مجانا، ويبيعنا إنجازاته بمحمولاتها الثقافية التي ننساها في غمرة إعجابنا الطفولي بالإنجاز. القضية أيها المصر على أنها حرية فردية أعقد من أن تعتبر فهمك المباشر لقوله تعالى: "لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ" كافيا لاستيعابها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة