قادة الدين
قادة الدين
677

حكاية الثورة المضادة

10/7/2017
هي حركة من أعداء أي ثورة أو تغيير، تأتي بعد فشل موجة المواجهة المباشرة ومحاولة قمع ووأد الثورة بالقوة، فلمّا تنجح الثورة وتبسط نفوذها، لا يبقى في أيدي أعدائها سوى التسلل لداخلها وحمل شعاراتها، ومن ثمّة ضربها من الداخل وبوسائلها هي نفسها. لقد كانت أول ثورة مضادة وثقها التاريخ هي تلك التي قادها أعداء الإسلام بعد فشل حروبهم وقمعهم ضده، فتسللوا داخله فيما عرف بظاهرة المنافقين، الذين تلبسوا بلباس الإسلام، وبدأوا يعملون على ضربه من الداخل بإطلاق حملات دعائية تهدف لزعزعة الصف وتمزيق الوحدة وخلخلة البنيان، عبر ترويج الأكاذيب وبث كل ما يضعف النفوس ويزرع الشك في المشروع وقيادته، كما وصفهم القرآن: "لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلا خَبَالا وَلأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ"، بل وصلت بهم الجرأة لإظهار الغيرة على المشروع وتوظيف وسائله للقضاء عليه كما وصف تعالى: "وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِن قَبْلُ ۚ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَىٰ ۖ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ".

وعبر التاريخ أمثلة عديدة للثورات المضادة التي تساير الثورات الحقيقية حتى تستولي عليها ثم تقضي عليها، ففي أشهر الثورات التاريخية:

الثورة الإنجليزية "1642- 1688"..
فقد تمت الإطاحة بالملكية بهزيمة وعزل شارل الثاني أمام الثوار سنة 1653، بسبب دكتاتوريته وسعيه لفرض الكاثوليكية قصرا على البريطانيين البروتستانت، ثم إعادة تنصيبه من جديد وتقييد صلاحياته وتوسعة صلاحيات البرلمان، وبعد موته وتنصيب ابنه جيمس الثاني سنة 1685م، قاد الأخير ثورة مضادة حاول من خلالها محو كل المنجزات السابقة والعودة للاستبداد من جديد، لكن الأمر انتهى بثورة الشعب البريطاني عليه بالتحالف مع ملك هولندا وليام، وإسقاطه سنة 1688م.

في تونس تسلل بقايا نظام بن علي بهدوء وبالاستعانة بالمتشددين وجبل الشعانبي، ليبثوا الرعب في قلوب الشعب التونسي الذي تعتاش نسبة كبيرة منه على السياحة والانفتاح ويدفعوه دفعا للقبول بالانقلاب الناعم الذي أعاد تدوير مخلفات نظام بن علي.
الثورة الفرنسية "1789 – 1870"..
حيث قاد الثورة المضادة بداية الملك لويس السادس عشر نفسه، رفقة النبلاء ورجال الكنيسة الذين هددت مكاسبهم وأموالهم ومراتبهم، بالإضافة لفلول نظامه المطاح به، والذين تفرقوا في أوروبا وأسسوا تنظيمات مضادة للثورة، وأخيرا ملكيات أوروبا التقليدية بقيادة ملك النمسا "ليوبولد الثاني" شقيق ماري أنطوانيت زوجة الملك الفرنسي، وقد أدت الثورة المضادة على الثورة الفرنسية لجعلها تترنح لمدة قرن من الزمان وتمر بعصر الإرهاب (1789- 1798) ثم عصر الدكتاتورية الإمبراطورية (1798- 1815)، ثم العودة للملكية من جديد حتى 1871، وحتى هذه السنة لتتمكن الثورة الفرنسية من تحقيق أولى مطالبها وهي الجمهورية.

وهناك مثال آخر بارز على الثورة المضادة وهو الثورة الجزائرية، والتي بعد تأكد الفرنسيين من استحالة القضاء عليها في نهاية 1958، أعد مشروعا متكاملا للسيطرة عليها، جنّد فيه الآلاف من الأتباع ومر بمراحل عديدة ، بدأت إحداها بمشروع قسنطينة في نهاية 1958 وبداية 1959 وهو ما عرف لاحقا بدفعة لاكوست والتي شهدت تدريس 960 ألف جزائري وربطهم بالمشروع الفرنسي وبث آلاف الكوادر المرتبطين ثقافيا بفرنسا في الإدارة ومنذ 1961 في جيش التحرير، واستمر المشروع بعد الاستقلال في رعاية فرنسا للتعليم والدفعات المتخرجة تقريبا حتى 1971، وقد بدأت المرحلة الثانية من الثورة المضادة سنة 1978 بعد وفاة بومدين بسيطرة من تسللوا سنة 1961 على المقاليد العسكرية والأمنية، وفي سنة 1992 توجت الثورة المضادة بانتصارها الكامل وأحكمت السيطرة السياسية والاقتصادية والثقافية على الجزائر.

وفي الوقت الراهن ظهرت للعيان بوضوح الثورة المضادة على الثورة المصرية والتونسية والليبية من خلال التحاق عناصر من الأنظمة المستهدفة بالثورة في آخر أيامها أو حتى بعد نهايتها وتبنيها لشعارات الثورة ومطالبها، ومن ثمة انقضّت عليها وأجهضتها وعاقبت كل من شارك فيها، وأعادت بعث الأنظمة الساقطة وسياساتها من جديد.

ففي مصر بعد تأكد صمود الشعب وسقوط مبارك لمحالة، انضم للثورة مجموعة من الوجوه العلمانية والليبرالية مثل البرادعي وساويرس وحتى من أذيال النظام مثل مصطفى بكري، ثم حاول الجيش نفسه وهو العمود الفقري للنظام المنتفض ضده، الظهور بمظهر المحايد والذي يقف مع إرادة الشعب، والحامي له في مواجهة النظام الآيل للسقوط وبطشه، وبعد فترة انتقالية تولى هو فيها التسيير، هندس جيدا للوضع القادم وحاول قدر المستطاع عرقلة تنصيب المؤسسات المنبثقة عن الشعب، ولما فرضت بضغط شعبي كبير، عمل جاهدا على تأليب الشعب ضدها عبر بث الفوضى والتخريب والاعتداءات ومس الناس في أمنهم وأمن ممتلكاتهم، والدفع من خلال أذرعه الاقتصادية القوية ومختلف الوسائل التي يحوزها لقطع التموين بالسلع الضرورية، لجعل حياة الناس جحيما في طوابير انتظار الخبز والوقود ومختلف السلع، وقاد حملة شعواء منظمة عبر أجهزته الإعلامية ضد الثورة ومخرجاتها والمؤسسات المنتخبة، وقوى الشعب الحية، ثم تقدم بعد تهيئة الأجواء لينفذ انقلابه على الشعب، ويعود لممارسات أشد تنكيلا من النظام السابق.

في تونس تسلل بقايا نظام بن علي بهدوء وبالاستعانة بالمتشددين وجبل الشعانبي، ليبثوا الرعب في قلوب الشعب التونسي الذي تعتاش نسبة كبيرة منه على السياحة والانفتاح ويدفعوه دفعا للقبول بالانقلاب الناعم الذي أعاد تدوير مخلفات نظام بن علي والمجيء بالقايد السبسي من باب القبر.

هناك شيء لا بد أن يذكر وهو الدور الذي لعبه الدعم المالي والعسكري السعودي والإماراتي في دعم الثورات المضادة التي انقلبت على ثورات الربيع العربي في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن، فقد وضع تحت تصرف رجال الثورة المضادة كثيرا من الإمكانات العسكرية.
في ليبيا وبعد الوقوف على نجاح الثورة في تونس ومصر، ارتمى كثير من أعمدة نظام القذافي في الثورة منذ بدايتها ومنهم وزير خارجيته السابق شلقم ورجله الوفي عبد الفتاح يونس ومحمود جبريل وغيرهم، لكن بعد نجاح الثورة لم يعترف الشعب الليبي بدورهم فعادوا من النافذة عبر الدعم الدولي، وعندما فشلوا ألقي بأحد رجال القذافي وهو العسكري السابق خليفة حفتر ليقود ثورة على الثورة وتحت علمها، بحجة تطهيرها وتحرير ليبيا، مدعوما في ذلك وبشكل مباشر من نظام انقلابي آخر هو نظام السيسي.

في اليمن سعت السعودية لقيادة ثورة مضادة بدعم الرئيس المطاح به لآخر لحظة، وحين فشلت دفعت بوضع نائبه في سدة الحكم مكانه، وعندما أحست بخطر سيطرة حزب الإصلاح على السلطة، لم تتوانى في دعم الحوثيين الموالين لإيران لإجهاض الثورة، لكن الرئيس السابق المطاح به اغتنم الفرصة وقاد تحالفا مضادا مع الحوثيين مدعوما من إيران واستولى على البلد، ووجدت السعودية نفسها في مواجهة تمددا إيرانيا جديدا جنوبها.

وهناك شيء لا بد أن يذكر وهو الدور الذي لعبه الدعم المالي والعسكري السعودي والإماراتي في دعم الثورات المضادة التي انقلبت على ثورات الربيع العربي في كل من مصر وتونس وليبيا واليمن، فقد وضع تحت تصرف رجال الثورة المضادة كثيرا من الإمكانات العسكرية وعشرات المليارات من الدولارات، كما وقع في حالة اللواء عمر سليمان الذي أفرغ في حسابه 8 مليار دولار ، ليقود الانقلاب على الثورة المصرية، لكن مقتله في حادث آخر يرتبط بالثورة السورية، قلب كل الموازين وجعلهم يعولون على أشخاص آخرين، ودخلت الإمارات في سجال مع زوجة عمر سليمان لاستعادة المبلغ ليومنا هذا.

الثورة المضادة ترفع علم الثورة الحقيقة وتنادي بشعاراتها ومطالبها، حتى تتمكن من خداع الشعب، وعندما يحدث ذلك، ستقوم باجتثاث الثورة ومعاقبة من قاموا بالثورة، وتعيد سيرة ما قبل الثورة وأسوأ.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة