حنان اليوسفي
حنان اليوسفي
4 k

الإلحاد نصف الإيمان!

11/7/2017

"أَوَلَمْ تُؤْمِن؟ 

قَالَ: بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي"
دعاء حكيم: خَلِّ يا ربِ نعِمَ الحياة تحتَ أقدام الحمقى وأعطني قلباً غيرَ مضطرب"..

 

الإلحاد مرحلة من مراحل الفكر التي تختل فيها جميع الموازين لتجد نفسكَ منساق إلى اللاشيء وقد يكون شيئاً لكن معرفتنا به قاصرة ومحدود، فيدعي الذي يعيش هذه الحالة بالطمأنينة والسكينة التي غالباً ما نركن لها عند إيماننا بشيء معين، وعليه فالإلحادُ لا يتقدمُ على الفكر بتاتاً، والارتباط بين الفكر و"الإلحاد أو الإيمان" كالارتباط بين الطرق والغايات أو الصلة بين المقدمات والنتائج، وهذه تتعقب تلك ولا تتقدم عليها، هي أشياء مختلفة تربطها علاقات مختلفة، فليست شيئاً واحداً.

 

لنتأملْ جيداً نوع العلاقات والترتيب بينها، ثم هو -أي الإلحاد- ليس بالضرورة قائمٌ على تساؤل حر، إذ الإيمانُ أيضاً قد يقومُ على تساؤل مسبق وبحث صادق ونزيه، كما حصل مع بعض العلماء مثل بوكاي وغيره، وتساؤلات نبي الله إبراهيم -عليه السلام- لا يجوز نسيانُها فهي موثقةٌ بالنص القرآني العظيم، إن الإيمان والإلحاد هما نتائج يتوصلُ إليهما الباحث أو يركنُ إليهما الإنسان لأسبابٍ شتى. والغريب أن المادة قد تخبرنا بالمبدأ لكنها لا تستطيع فصلَ القول في المنتهى، وما وراء المادة تهدينا إليه فطرنُا وعقولنا وتأملاتنا..

الشكوكُ الحارقة عندما تأخذُ بخناق الإنسان وتلقي به في تيهٍ لا نهاية لمداه، فيتطايرُ المعنى العميق لوجوده من بين ضلوعه، ويبقى هباءةً تذروه الصدفُ العمياء الصماء، أو هكذا يتخيلُ، فإذا به يجدُ ذاتَه كـ"إشكالٍ" عصيٍ على الإجابة، لغزاً لا يقبلَ الحل، إن هذا الصراعُ الداخلي هو -في نظري- دليلٌ حياة قلب، كما جاء في الحديث تعليقاً على شكوكٍ تعرضُ لبعض المؤمنين "ذاك صريح الإيمان"، إنه إيمانٌ يتململُ، ويقينٌ قلق يريدُ أن يستريح عقلياً فقط.

 

أن "الموضوعية" لا تنافي "الانحياز"، بل إن الانحياز الصحيح هو وليد الموضوعية الصحيحة، إذ الموضوعية هي شرط مبدئي للبحث وليست موقفاً مستمراً، إذ هي "لا موقف" في الحقيقة

الإلحادُ مرض أو مخدّر تخلدُ إليه الأذهان التي أكلّها السير في ضلال الآراء، به يتعلّمُ الملحد نسيان أو تجاهل الأسئلة الوجودية الكبيرة: من أنا؟.. من أين جئتُ؟.. ولماذا؟.. وإلى أين أصير؟.. هذه أسئلة تتجاوبُ أصداؤها في كل نفس بشرية، ولهذا لم تخلو أمةٌ من دين، والدينُ في النهاية هو نوع من تنظيم العلاقة بين الخالق -جلَّ جلاله- والمخلوق، كلُ البشرُ تريدُ الله وتجد راحتها في الركون إلى ركنِهِ الشديد ورحمته العميمة.. فهذا أنجلز المنظر الأهم للشيوعية مع ماركس "بعض الباحثين يرى أن إنجلز أكثر عمقاً وتفلسفاً من ماركس..

ليس موضوعنا على كل، يقول إنجلز "إنني أدعو كلَ يومٍ، وأقضي اليومَ كلَه أن تنكشف لي الحقيقة، لقد أصبح الدعاء هوايتي، منذ وجدت الشكوك طريقها إلى قلبي، إنني لا أستطيعُ أقبل عقائدكم. إن قلبي يفيضُ بالدموع الغزار وأنا أكتب هذه السطور، قلبي يبكي، وعيناي تبكيان، ولكنني أشعرُ أنني لستُ بطريدٍ من رحمة الله، بل آمل أن أصل إلى الله الذي أتمنى رؤيته بكل قلبي وروحي. وأقسمُ بحياتي أن عشقي وبحثي هذا لمحة من روح القدس".. لا أملكُ عينانيَ أمام كلامٍ كهذا، إنه يمورُ بالاشتياق إلى الله الذي يدعوه كلَ يوم، ويريقُ كلَ أمانيه دموعاً ليرى الله بملئ عينيه، لأن الله تعالى هو الحقيقة النهائية في هذا الوجود.. وقد فُطرنا على حبِ الحقيقة والانجذاب إليها، ولهذا نحنُ أبداً نَحِنُّ إلى الله وإن لم نفصح بألسنتنا لكن أرواحنا تعي ذلك تماماً.

يقول هربرت سبنسر الفيلسوف البريطاني الشهير: "العلمُ يناقض الخرافات ولا يناقضُ الإيمانَ نفسه، يوجد في كثيرٍ من العلم الطبيعي الشائع روح الزندقة، ولكن العلم الصحيح الذي فاتَ -أي تجاوز- المعلومات السطحية ورسبَ في أعماق الحقائق براءٌ من هذه الروح، العلم الطبيعي لا ينافي الدين، والتوجه إلى العلم الطبيعي عبادةٌ صامتة"...

فنحنُ ننحازُ إلى الحق -وهو الإيمان- ولا يعني هذا أننا لسنا موضوعيين، وهذا ربما ما جعل بعض علماء الكلام يعتقد أن أول الواجبات على المؤمن هو "الشك"، فهو لا يقصد الشك في أصل الدين، بل هو يريدُ اتخاذ موقف فحص المرجعية بموضوعية عالية

وكان ديكارت منطلقاً من الشك لبناء اليقين، هو شكٌ منهجي لا مذهبي، وهكذا نزعَ الإمام الغزالي كما في رسالته "المنقذ من الضلال"، هو البحث عن اليقين عبر الشك، والعجيب أن أحد مرتكزات ديكارت في فلسفته الشكية ما سماه صدوقية الله" أي أن الله تعالى لا يُضللنا، وأظنُ " أراد أن يوفّق بين الموضوعية التي لا بدَّ منها لبحث الحقيقة، أي التجرد من كل انحياز مسبق مهما كان، وبين الانحياز الإيماني الذي لا يمكننا التحرر منه، لكن لو تأملنا قليلاً لعرفنا أن "الموضوعية" لا تنافي "الانحياز"، بل إن الانحياز الصحيح هو وليد الموضوعية الصحيحة، إذ الموضوعية هي شرط مبدئي للبحث وليست موقفاً مستمراً، إذ هي "لا موقف" في الحقيقة.

 

 فالقضية إذن في ترتيب المواقف، إن الموضوعية لا تلتقي مع الانحياز في نفس الوقت هذا صحيح، ولكنها مجردُ مرحلة على الطريق إليه.. لنتأملْ، ولهذا فنحنُ ننحازُ إلى الحق -وهو الإيمان- ولا يعني هذا أننا لسنا موضوعيين، وهذا ربما ما جعل بعض علماء الكلام يعتقد أن أول الواجبات على المؤمن هو "الشك"، فهو لا يقصد الشك في أصل الدين، إذ الدينُ معطياتٌ لا بدَّ من الإيمان بها، بل هو يريدُ اتخاذ موقف فحص المرجعية بموضوعية عالية، والفحصُ -وهو التحقق- لا يلزمُ منه الهدم والإلغاء، والتأكدُ هو طلبٌ للطمأنينة "أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي"، والقرآن الكريم يعلّمنا البحث الموضوعي بتأصيل طلب البرهان "قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ"، كأن القرآن يُطالبُنا بالتحقق منه، وهذا هو صلبُ الموضوعية، والإشارةُ تكفي الأذكياء..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة