أحمد أبو خليل
أحمد أبو خليل
1.1 k

الثلاجة

15/7/2017
لا أظن أن كُرها كان يمكن أن يصيب قلبي كما أصابني تجاه هذه المتاهة القذرة، فى كل مرة أخرج منها وأظن أن الطريق أصبح مفتوحا مرة أخرى أجدها أمامى، على بابها أشعر بمراره شديدة، هنا يستسلم المرء، شهر.. 6 أشهر.. عام.. عامان، تبتلعه المتاهة في صمت، ويظل عالقا بها إلى أن يصل إلى نهايتها مرة أخرى، لكنها لا تودعه، هى فقط تنتظره. 

ثلاثة أعوام وأنا أعيش فقط في ست غرف، أو بالأحرى أتنقل بين ستة صناديق، ما كرهت أكثر من هذه الغرفة، لا ليس الذي يدور في رأسك من غرف، ليست النوم والاستقبال والسفرة والـ.. لم أعد أتذكر شكل الحياة أصلا خارج الصناديق.

الغرفة الأولى لم أرها حتى الآن عشت فيها ثلاثة شهور، وكل من أتى هنا استقبلته هذه الغرفة التي لم يرها أي منا قط، كل منا في الغرفة الأولى معصوب العينين ومقيد اليدين من الخلف، أظن أن يداي فقط لو كانتا محررتين لأخذت أتلمس أضلاع الغرفة حتى أرسم لها تصورا في رأسي الذي يقبع في الظلام، أذكر أننى أفقت من نومي مرة ووجدت العصابة ارتخت قليلا، حاولت أن أنظر لكني اكتشتف أن العصابة لا تحجب إلا ظلاما آخر، لم يكن في الغرفة أي مصدر للضوء.

نمت يومها للمرة الأولى وأنا أخطط أخيرا لقضاء يوم جديد، سأنام غدا فوق السطوح، سأحمل الأغطية إلى الأعلى وأنظر مرة أخرى إلى سقف العالم الحقيقي خارج هذه الصناديق، كان مفتاح البراءة ذهبيا صافيا يلتمع أمام عيني.
الغرفة الثانية لم أرها أيضا، لم تكن خانقة كالأولى، كان هوائها ألطف، مكيفة، معبقة بروائح الدخان الفاخر وأحيانا رائحة البخور أو عطر رجال التحقيق، كانت غرفة السباب المتواصل، واللكم أحيانا، والصعق لمرة واحدة كانت كافية، لا أظن أنه يمكن للمرء الحصول على كل هذا القدر من السباب في وقت واحد، أظنها تكفي عمري كله من الأذى، ربما قضيت فيها ثلاثة أيام لو حسبنا متوسط جلسة الاستجواب التي قد تمتد لست ساعات، لا أتذكر الآن بالضبط كيف استطعت أن أملأ دفاتر الإجابة لست ساعات متواصلة في كل مرة!

الغرفة الثالثة كانت أول غرفة أراها، ويرى فينا كل منا الآخر، كانت غرفة اللقاء والأحضان والدهشة والدموع والعرق والعرق والمزيد منه، إضاءة صفراء رديئة تتوسط المكان وأكوام من البشر يجلسون، لا وصف آخر غير الأكوام، فنحن نتكوم جلوسا ونياما وحتى وقوفا، ركن الحمام الضيق هو ما تستطيع أن تجلس فيه منفردا لدقيقة واحدة.

هنا نتشاطر قليلا بعض الهموم فتذوب مع كر الأيام الذي يُحتسب بمواعيد الزيارات وتواريخ الجلسات، ولا معنى لأي طريقة أخرى للحساب. فلا يوجد أي يوم يكون قبل الجامعة أو بعد العمل، أو شهرا مر على زواج أو أسبوعا انقضى على عودة من السفر أو أياما قليلة تبقت على أول امتحانات.

هنا تاريخٌ عامٌ يحكم الجميع، لا يبدأ بالميلاد أو الهجرة، بل يبدأ بالدخول، متى دخلت؟ كم مر عليك؟ وهو تاريخ لا يُجمع في أسابيع أو شهور ولا سنين، وحدته هي اليوم وفقط، كلٌ يحفظ كم يوما مر عليه هنا، وتاريخ آخر خاص بكل واحد على حدة، يُحتسب كما قلت سابقا بمواعيد الزيارات والجلسات.

الغرفة الرابعة، هي غرفة متحركة هذه المرة، التجديد مطلوب في كل شىء حتى لا يتسلل الملل إلى نفوسنا، غرفة من صفيح وحديد، تتحول إلى تنور محموم عندما تسير بنا في حر شهور الصيف، أول غرفة تستطيع بعض أشعة الشمس أن تنفلت إلينا من شقوق الأسلاك على نافذتها الوحيدة، يحاول كل منا أن يلقي نظرة واحدة على الحياة في الخارج، فيراها غائمة من خلف الخطوط السوداء الكثيفة المتقاطعة أمام عينيه.

الغرفة الخامسة هي الأرحب على الإطلاق، فسيحة جدا جدا، بالمقارنة بأي صندوق آخر، نرى فيها كل مرة بعض ممن تبقى من الأهل والأصدقاء في الخارج، أذكر كيف كان ارتجاف القلب في المرة الأولى التي دخلت إليها، ارتجافا لم أعهده منذ الغرفة الأولى، ليس من الخوف الذي أصبح قرينا دائما، ولكن هذه المرة من القلق والترقب، تُرى هل تحدث معجزة وينطق القاضي حكم براءة، صحيح أنه لا أحراز ولا شهود ولا أوراق ولا قضية، لكن العشرات يؤجل النظر فيهم بالجملة، يأتي عليهم الدور الذي لا يستغرق فيه الوقت أكثر من عشر ثوان، ولا يستهلك القاضي من مخزون كلماته أكثر من خمس كلمات: تؤجل إلى جلسة 27 - 3 - 2017 .. على كل حال لم يحدث هذا.

لا أحد يخرج منذ ثلاث سنوات، الثلاجة الأولى في 2015 بدأت في مركز الواسطي، ثم انتشرت عبر كل أقسام المحافظة، عددها الآن 9 ثلاجات، في ثلاجتي هذه عددنا 35، هناك ثلاجة وصل فيها العدد إلى 90 محتجزا.
لا ولم يصدر حكم يجعلني أنتقل إلى غرفة أوسع هناك في السجن، حيث الوضع أكثر استقرارا، أشهرٌ معلومات أوطن نفسي على أنني سأخرج بعدها، بلا خوف من تحقيق أو ترقب لحكم، لم يحدث هذا أيضا، ما صدر كان المعجزة، نعم حصلت على البراءة، بل حصلنا جميعا، جميع من في القضية حصل على البراءة، سألت المحامي في بصوت عال من خلف الأسلاك، هل هو إخلاء سبيل على ذمة القضية، رفع صوته وسط الصخب: لا .. براءة براءة يا أستاذ.

نمت يومها للمرة الأولى وأنا أخطط أخيرا لقضاء يوم جديد، سأنام غدا فوق السطوح، سأحمل الأغطية إلى الأعلى وأنظر مرة أخرى إلى سقف العالم الحقيقي خارج هذه الصناديق، كان مفتاح البراءة ذهبيا صافيا يلتمع أمام عيني، يوما أو يومين كما قال لنا المحامى وأستطيع أن أفتح به باب هذه الزنزانة الصلد العنيد، وأخرج للنور، لكن ما هذا الجدار الذي أراه ربما كان آخر محطة، خلفه الساحات، مؤكد ذلك، أذهب إليه فإذا خلفه جدار وجنبه جدار، طرقات ملتوية، ممرات ضيقة وجدر عالية، لا أستطيع أن أظهَرَها لأنظر ما آخر هذه الممرات على أن أسير فقط، علينا جميعا أن نسير ونتخبط ونظل في المتاهة، سألت رجلا كان يجلس في إحدى الممرات ساكنا لا يبحث عن مخرج، أين نحن، أنت جديد هنا؟ نعم، ومعي مفتاح البراءة انظر إليه، بنصف ابتسامة أشار بعينيه إلى حلقة في جنبه يستقر فيها عددا من المفاتيح ربما كانوا خمسة أو ستة، كلها كالتي معي، مفاتيح براءة.

صحوت من حلمي مفزوعا، ما يُقال عن الرؤيا التي أولها حلم وآخرها كابوس، في الأغب كابوسا، العبرة بالخواتيم، ونحن هنا في الغرفة السادسة، في الثلاجة، لا نعرف أي تواريخ خاصة، لا موعد جلسة ولا وقت زيارة، نحن هنا خارج الزمن بشكل كامل للمرة الأولى، لسنا في غرفة احتجاز رسمية، البراءة التي أخذناها لا تعجب ضباط أمن الدولة في بني سويف على وجه الخصوص، من دون الناس ربما، فيضعوننا هنا في ثلاجة حفظ الأحياء، حتى يحين الوقت لنخرج مرة أخرى بورق جديد، قضية جديدة، ننتظر جلساتها مرة أخرى، يُحكم لنا بالبراءة مرة ثانية، نعود إلى الثلاجة مرة ثالثة، ننتظر ورق قضية جديدة للمرة الرابعة، نحصل على البراءة للمرة الخامسة، تبعت .. بعضنا لم يعد يعُد.

ثلاثمائة وخمسون، هذا هو عددنا الذي وصلنا إليه بعد ثلاث سنوات، لا أحد يخرج منذ ثلاث سنوات، الثلاجة الأولى في 2015 بدأت في مركز الواسطي، ثم انتشرت عبر كل أقسام المحافظة، عددها الآن 9 ثلاجات، في ثلاجتي هذه عددنا 35، هناك ثلاجة وصل فيها العدد إلى 90 محتجزا، لكن مساحتها كبيرة، ربما 7 أمتار في 8 أمتار، أما ثلاجتنا من النوع المتوسط 4 أمتار في خمسة أمتار فقط.

لا شروق ولا زوال ولا غياب ولا حضور، الأيام تتساقط من كفوف الأشجار تترى، ونحن هنا غير موجودين على الحقيقة، أكثر من نصفنا فُصل عن عمله أو جامعته، لو يُحكم علينا ونذهب إلى الجسن لكنا أحسن حالا، على الأقل يُكتب لنا الوجود مرة أخرى، سيكتب محامونا خطابات إلى جهات العمل والدراسة بأننا نقضي فترة العقوبة، سأستطيع أن أذاكر وأنهي امتحاناتي كما سمعت عن أقراني في أماكن أخرى خارج حدود هذه البلدة، سنحصل على ساعة التريض ولو لمرات دون مرات، سأفرد ظهري لأول مرة وأنام على مربعين من البلاط لا نصف مربع واحد، ستطول الزيارات ربما إلى عشرة دقائق وربع الساعة، سيهربون لنا الهواتف النقالة ونتواصل خلسة مع العالم الآخر، يصرخ رجل يجلس فوقي تقريبا، خذونا إلى السجن.

- أي سجن، أنا لم أسجن أبدا من قبل.
- وما تسمى هذه السنوات يا سيد.
- كنا في الثلاجة.
- ثلاجة! أي ثلاجة.
- ثلاجة بني سويف.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة