أسرنا المفككة وبناء المجتمع

18/7/2017
- الكنتي يحذر:
في مقال له بمدونات الجزيرة، رسم الكاتب السعودي الشاب حمد الكنتي صورة مقلقة للأسرة العربية في ظل العولمة، وعزا الكنتي الصعوبات التي تواجهها إلى سيل التقنية المتدفق، وعكوفنا المقلق على الهواتف: (فمن يشاهد أحوالنا اليوم سيجد بأننا أصبحنا أُسراً مفككة.. تداهم بيوتنا المخاطر من كل مكان لأننا ابتعدنا عن الإحساس بوجود الكبير، وتركنا الالتفاف حول بعضنا البعض في الأسرة، فكل واحد منا أصبح يأكل لوحده! ويجلس بمفرده! ويطأطئ رأسه على جواله! حتى أصبح الغريب قريبا! والقريب غريبا). يقول الكنتي في موضع آخر من مقاله روح الأسرة المفقودة: (والأسرة قضيَّتُها مهمة جدا لأنها عبارة عن (مجتمع صغير) ولذلك فإن الكثير من الجهات المسؤولة في المجتمعات أقامت وزارات خاصة بالأسرة، ووضعت ميزانيات كبيرة للعناية بها على النطاق الرسمي).

- آباء اليوم وتجديد المعرفة:
في تناولنا التربوي لقضايا الأسرة والمجتمع ما زلنا بحاجة إلى الانتقال من موقع المدافع إلى موقف المساهم، وليس ثمة إسهام ذي قيمة بلا معرفة. إن الأب وهو مدير لمؤسسة اجتماعية، و(ملك) في مملكة قابلة للتوسع والانتشار، بحاجة إلى تنمية قدراته الإدارية بصفة خاصة، وإمكاناته المعرفية والفكرية على وجه العموم. بقدر اطلاع الآباء على (الجديد) في عالم التربية والأسرة والإدارة، وبقدر قراءاتهم النفسية والاجتماعية- تقترب قراراتهم الإدارية إلى السلامة والمعقولية وإمكانية التنفيذ. فمن يمكنه إدارة أسرة صغيرة تضم بضعة أطفال دون المراحل الدراسية- قد يفشل في إدارة أسرته في مرحلة أخرى- حين يصبح الأطفال شبابا في مراحل عمرية ودراسية مختلفة، ما لم يطور قدراته وإمكاناته بمستوى مواز لتطور الأسرة وتقدم أفرادها عمريا واجتماعيا.

ما يواجه أسرتنا المحافظة من مشكلات صغيرة ليس بمعزل عما يجري حولنا من تغيرات اجتماعية وسلوكية أفرزتها ثورة المعلومات، وهو تحد يتطلب تضافر جهود المفكرين التربويين وغيرهم من الفاعلين  لتغيير رياح العولمة وتوظيفها لصالح المجتمع.
- تطور تقني وتغير سلوكي:
إن ما أتاحه التطور التكنولوجي الذي يعيشه (أبناء اليوم) من فضاءات معرفية وعلمية واجتماعية، وما تلا ذلك من تغيّر في أنماط التعلم والصداقة والاقتداء والتشبه، لم يعد تطورا تكنولوجيا فحسب، بل تغيّر غير محدود في طرائق السلوك وأنظمة المجتمعات كما هو مشاهد. وقد تأثرت أسرتنا (المحافظة) وما زالت تحت وطأة التأثير، لا لقوة (الوافد الجديد) فحسب، وإنما لفشلنا في تطويرها بما يلائم الظروف والاحتياجات المتجددة في عالم سريع التغير. وقد أنتج التفاوت التكنولوجي بين كثير من الآباء وأبنائهم ضمن عوامل أخرى؛ إلى زيادة المساحة الفاصلة بين الطرفين، وبالتالي إلى زيادة الفجوة النفسية وانحسار التقارب المشاعري، وهو عامل بالغ الأهمية في التواصل المعرفي في الأسرة، بالإضافة إلى أهميته في انسياب القرارات الإدارية والتوجيهات التربوية.

- هل من إسهام إيجابي؟
إن ما أتيح لنا من فضاء اتصالي جيد، يحتم على قادة المجتمعات الانتقال من دائرة الانبهار بما توفر من أدوات ووسائل، إلى دائرة إنتاج محتوى أكثر جودة وملاءمة لشغل ما صنعته التقنية من فضاء ما زال يتسع باستمرار. ولعل اختبار الإنتاج والإسهام الفكري لا يقل صعوبة عما سبقه من اختبارات الانتقاء والاختيار من المتاح. نخلص إلى أن ما يواجه أسرتنا المحافظة، حسب الوصف المتداول إعلاميا، من مشكلات (صغيرة) ليس بمعزل عما يجري حولنا من تغيرات اجتماعية وسلوكية أفرزتها ثورة المعلومات والاتصالات، وتحد يتطلب تضافر جهود المفكرين التربويين وغيرهم من الفاعلين الاجتماعيين لتغيير رياح العولمة وتوظيفها لصالح المجتمع ووحداته الصغيرة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة