نور الهدى نوريانا
نور الهدى نوريانا
17.7 k

المازوخية الجنسية.. تعذيب للنفس أم هوس سادي؟

27/9/2018
عرفت السادية بأنها شعور متطرف لدى الإنسان المصاب برغبة وميول لتعذيب الآخرين وما يرافق ذلك من لذة غريزية، فيما نجد المازوشية الانعكاس المباشر لهذه الأخيرة، أي أنها اضطراب ولذة في تعذيب النفس والتعرض للتعذيب الجسدي أو النفسي أو اللفظي أو الجنسي من طرف الآخر، الشيء الذي يضعنا أمام تساؤلات عديدة حول ماهية هذا الاضطراب النفسي، وهل هو نتاج ورد فعل للممارسات السادية، أم هو اضطراب مستقل بذاته؟ وما هو تصنيفه في الدليل الإحصائي التشخيصي (DSM5)؟

تتبدى المازوخية إكلينيكيا في شكل رغبة في التعرض للعنف والإهانة والاعتداء، وهي بذلك الوجه المقابل والمعاكس للسادية التي تعد رغبة في إلحاق الأذى بالآخر، سميت المازوخية كذلك نسبة ليوبولد ساشر مازوخ (مازوش) الروائي النمساوي الذي اشتهر أبطال روايته بالسقوط تحت سلطة المرأة، حيث نجد في المقابل السادية نسبة لماركيز دو ساد التي اشتهرت رواياته بالإجرام وحب التعذيب، قبل إطلاق اسم المازوخية على هذا الاضطراب الذي يميل أصحابه إلى اللذة عن طريق تلقي التعذيب، كان يسمى بالشبقية، والشبق هو اللذة الجنسية، ويرتبط غالبا بموضوع ومنطقة اللذة، فالمازوخية هنا هي اضطراب وانحراف جنسي يدفع بصاحبه إلى التلذذ بالألم النفسي أو الجنسي أو الجسدي الذي يلحقه به الشريك.


لم يكن فرويد منْ أبدع وحدة السادية-المازوخية، فهي كانت موجودة قبله عند كرافت أبنغ، وهافلوك أيليس، وكذلك عند فيره. فأن تكون ثمة علاقة غريبة ما بين لذة ارتكاب الشر ولذة تلقيه، فذلك ما كان يشعر فيه كل الأخلاقيين والأطباء.

أسباب المازوخية:
تبدأ المازوخية في الظهور في مراحل مختلفة من نمو الشخصية، فقد تظهر مبكرا في حين أنه من الممكن أن تظهر في مراحل متأخرة وعادة ما تظهر في فترة الشباب المكتملي النمو الجنسي، تبين لفرويد أن المازوخية امتداد للسادية في ارتدادها على الشخص ذاته، حيث يدل التحليل الإكلينيكي للحالات المازوخية المزمنة على وجود عدد من العوامل كعقدة الخصاء والإحساس بالذنب، التي طرحها فرويد في التحليل النفسي لكن كرافت إيبنج يرى أن مصدر المازوخية فرط في نمو مرضي لعناصر نفسية أنثوية من جهة يعتقد لومبروز بوجود ارتباط في زمن الحروب من الاعتداءات والعبودية وتجارة الرق، بشكل عام هذه الحالة هي نتاج السلوك الجنسي البدائي في فترة مبكرة من حياة الفرد أو المحيطين به، فالاغتصاب أو التحرش الجنسي أو مشاهدة مواقف يتجسد فيها العنف من طرف طفل صغير تؤثر على طبيعة الطفل النفسية وفي النهاية يحاول تجسيد ما شاهده أو يجد لذة بعد ذلك في العنف الذي تم ممارسته عليه.


علاقة المازوخية بالممارسات السادية:
لم يكن فرويد منْ أبدع وحدة السادية-المازوخية، فهي كانت موجودة قبله عند كرافت أبنغ (Krafft-Ebing)، وهافلوك أيليس (Havelock Elis)، وكذلك عند فيره. (Féré) فأن تكون ثمة علاقة غريبة ما بين لذة ارتكاب الشر ولذة تلقيه، فذلك ما كان يشعر فيه كل الأخلاقيين والأطباء. بل ويذهب الأمر حتى أبعد من ذلك، "فلقاء" السادية بالمازوخية، والنداء الذي توجهه إحداهما إلى الأخرى يبدو كأنه مثبت في عمل ساد كما هو في عمل مازوخ. ثمة مازوخية عند أبطال ساد: تُفَصلُ رواية "مئة وعشرون يوماً" العذابات والإهانات التي يُنزلها الداعرون بأنفسهم. فالسادي لا يميل إلى جلد نفسه أقل من ميله لجلد الآخر؛ كذلك فإن "سانت فوند"، في رواية "جولييت" (Juliette) يدع بضعة رجال يهجمون عليه ويطلب منهم جلده على الفلقة، كما يصرخ "بورغيس": "أرغب أن تقودني خطاياي وكأني آخر تلك المخلوقات التي يقودها مصيرها إلى نهايتها، إذ ستكون حتى المشنقة بالنسبة لي تاجا للشهوات". وعلى العكس من هذا، ثمة سادية في المازوخية: فعند نهاية عذاباته، يعلن "سفرين"، بطل رواية "فينوس"، أنه قد تم شفائه، ومن ثم يقوم بجلد وتعذيب النساء، فهو يريد أن يكون "مطرقةً" وليس "سنداناً".


لهذا يبدو من الصعب الحديث عن قلب عام ما بين السادية والمازوخية. هناك بالأحرى إنتاج لتناقض مزدوج: إنتاج هزلي لنوع من السادية، في نهاية المازوخية، وإنتاج تهكمي لنوع من المازوخية، في نهاية السادية. لكن من المشكوك فيه تماماً أن تكون سادية المازوخي هي سادية ساد نفسه، أو مازوخية هي نفسها التي كانت عند مازوخ. فسادية المازوخية (sadisme du masochisme) تتولد عن التكفير، فيما لا تنتج مازوخية السادية (masochisme du sadisme) إلاّ تحت شرط عدم التكفير ذاك.

صنفت المازوخية كما هو الشأن للسادية في الدليل الإحصائي والتشخيصي (DSM5) بأنها اضطراب وانحراف في السلوك الجنسي يمكن علاجها معرفيا وسلوكيا من خلال الرجوع لمراحل النمو الأولى.

في الحقيقة، نحن ننزع دائماً نحو التغافل عن ذلك الوضوح: إذا كانت المرأة-الجلادة تعجز في المازوخية من أن تكون سادية، فذلك لأنها جزءٌ منضوٍ في الموقف المازوخي، عنصرٌ ناجزٌ من الفنتازم المازوخي. ليس لأن لديها ربما نفس ميول ضحيتها، ولكن لأنها تمتلك هذه "السادية" التي لا نجدها عند السادي، والتي هي نوع من الزوج (double) أو الانعكاس (réflexion) للمازوخية. كذلك يمكننا قول الشيء ذاته بالنسبة للسادية: إذا كانت الضحية لا تستطيع أن تكون مازوخية، فلا ينتج ذلك عن رفض الداعر للملذات التي يحس بها، ولكن لأن ضحية السادية تنتمي بكاملها إلى السادية.

"الشخص الذي يشعر باللذة، ضمن علاقة جنسية، بتعذيب الآخر يستطيع أيضاً التمتع بالألم الذي يتلقاه. فالسادي هو دائماً وفي ذات الوقت مازوخي، وذلك ما لا يمنع تغليب الجانب الفاعل أو المنفعل في ذلك الانحراف على الآخر ومن ثم تحديد الخصوصية الجنسية الغالبة". الحجة الثانية هي حجة وحدة التجربة: السادي، كسادي، لن يتمكن من الحصول على اللذة بإنزاله الآلام بالآخرين إلا لأنه قد قام، أولاً، بتجربة مُعاشة لعلاقة ما بين لذته وتلك الآلام التي تقع عليه هو بالذات. حجّة كهذه غاية في الغرابة، لاسيما وأن فرويد قد أعلن عنها ضمن أفق أطروحته الأولى، التي تسبق فيها السادية المازوخية.


لكنه يميز ما بين نوعين من السادية: الأولى، عدوانية خالصة، لا تبحث عن شيء آخر غير الانتصار، أما الثانية، المُتعَويةِ، فتبحث عن آلام الآخرين. وما بين هاتين الساديتين، تنحشر تجربة المازوخي، ما بين العلاقة المُعاشة للذته بألمه الخاص: فالسادي ما كان بمقدوره امتلاك فكرة الحصول على لذته من آلام الآخرين لو لم يكن قد عانى في البداية "مازوخياً" (masochiquement) العلاقة ما بين ألمه ولذته الخاصين، لذلك صنفت المازوخية كما هو الشأن للسادية في الدليل الإحصائي والتشخيصي (DSM5) بأنها اضطراب وانحراف في السلوك الجنسي يمكن علاجها معرفيا وسلوكيا من خلال الرجوع لمراحل النمو الأولى وفهم الأسباب الكامنة وراء حب التعذيب وما إن كان الشخص المضرب قد تعرض للعنف في مراحل نموه الأولى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة