صلاح أبوغليون
صلاح أبوغليون
556

إرادة التغيير ووهم المخلّص

26/7/2017

في ظل ما تتخبط فيه أمتنا من تأخر علمي وحضاري، وما لهذا التأخر من ضرائب باهظة ليس أولها ضنك العيش وتأخر التنمية وليس أخرها التناحر وتغول الأمم الأخرى، يبقى السؤال الأكثر أهمية وإلحاحا ماذا نفعل لنعدل هذه الكفة المائلة؟ ولأنه لا يبطل العجب إلا معرفة السبب فيجب أن نخلص إلى الأسباب التي قادت الى هذا التأخر في كافة الميادين الحضارية، وعلى الرغم من إسهاب المفكرين في البحث وسرد الأسباب التي قادت إلى ما نحن فيه إلا أنهم تعلقوا بأسباب فرعية ولم يركزوا على السبب الرئيس، فالبعض يلوم الفقر وأخر يلوم الفساد، وثالث يلوم الأمم الأخرى! حتى إن بعضهم لام الدين والعبادات، لكن ندرة من عزوا النتيجة إلى سببها الفعلي وهو منظومة التربية. 


فكل الأسباب المذكورة إنفا لا تعدو أن تكون قشوراً لجوهر المشكلة الذي يكمن (في رأيي) في الشكل السلوكي للإنسان العربي، فهذا الانسان يتربى منذ بداية مسيرته الإدراكية على الاتكالية ومحاولة الوصول لهدفه بأقصر الطرق بغض النظر عن استقامة هذه الطرق أو ما قد تلحقه من ضرر بالأخرين أو بالمجتمع ككل، ففي مرحلة الطفولة يعتمد الإنسان على والديه بشكل مطلق اعتماداً يقود في كثير من الأحيان إلى أن ينتج طفلاً لا يستطيع حتى أن يدرء تنمر الأطفال الأخرين عن نفسه، وأحياناً أخرى ينتج طفلاً متنمراً لعلمه أن والديه سيبرران ذلك وسيحميانه من العواقب.

 

وفي المدارس تنتشر ظاهرة الغش في الامتحانات والتي تساعد في وصول أشخاص إلى مراحل لا يستحقونها ومن دون بذل الجهد اللازم، ثم البحث عن "الواسطات" للحصول على مقعدٍ جامعي ووظيفةٍ مناسبةٍ، وفي غالب الأحيان لن يكون هذا الشخص كفؤاً لهذه الوظيفة وبالتالي سيظل يعتمد على الواسطات لتغطية فشله في عمله وللحصول على الترقيات، وتستمر هذه السلسة صعوداً حتى تصل إلى بعض المناصب المؤثرة، فمثلا لا يعول مرشحي المناصب العامة كثيراً على برامجهم الانتخابية وما باستطاعتهم ان يقدموه، لكن يعولون على كم من الأشخاص استطاعوا أن "يخدموا" وكم من المسؤولين يستطيعون أن يتملقوا.

لو آمن الإنسان العربي بقدرته على التغيير، وبأن التغيير يمكن أن يبدأ من قاعدة الهرم، ولم ينتظر المصلح الخارق الذي سيغير المجتمع، فبدأ بإصلاح نفسه وأهل بيته، عندها سيبدأ المجتمع بالتحرك نحو الأفضل

هذا كله أنتج أجيالاً ترسخ في ذهنها أنه لابد من شخص ما ذو صلاحيات أو قدرات أكبر يمهد لها الطريق، فمن الاتكال المطلق على الوالدين في الحاجات البسيطة، ثم البحث عن الواسطات لإدراك الوظائف والمكاسب المتوسطة، ثم انتظار المخلّص الخارق ليغير المجتمع ويرفع الظلم عن المظلومين ويرد حقوق الأمة المسلوبة؛ فلا يؤمن الإنسان بنفسه ولا بقدراته التي قد يعيش عمره كاملاً دون أن يتعرض لتجربة واحدة يثبت فيها هذه القدرات.

 

فلو آمن الإنسان العربي بقدرته على التغيير، وبأن التغيير يمكن أن يبدأ من قاعدة الهرم، ولم ينتظر المصلح الخارق الذي سيغير المجتمع، فبدأ بإصلاح نفسه وأهل بيته والكف عن سلوك الطرق غير الصحيحة للوصول إلى الأهداف، عندها سيبدأ المجتمع بالتحرك نحو الأفضل، وعلى سبيل المثال لو رفضنا إعطاء الرشاوى للحصول على المكاسب وقاطعنا من يتورط بهذه القضايا مقاطعة اجتماعية جادة (واقتصادية إن أمكن) فستقل إن لم تنعدم مستويات الفساد، والذي من شأنه أن يعزز تكافؤ الفرص وعندها يمكن للفقير أن يتخلص من فقره إذا بذل الجهد المناسب وهذا بالتالي سيحسن من الوضع الاقتصادي للمجتمع ككل، مما سينعكس ايجاباً على التنمية السياسية أيضاً.

 

فمما لا شك فيه ان تأمين لقمة العيش يقع في أعلى الأولويات لشرائح واسعة من المجتمع، فإذا تحسن الوضع المادي لهذه الشرائح نتيجة لتكافؤ الفرص وتحسن التنافسية، عندها سيجدون متسعا من الوقت والفكر للمشاركة في التنمية السياسية وممارسة السياسة. ولا شك أن انخراط أصحاب القرار والقيادات المجتمعية بشكل فاعل وجاد في هذه العملية من شأنه أن يسرع قطف ثمارها، بدلاً من الانتظار إلى أجيال قادمة.


خلاصة القول إن الحل يكمن في أن نحور فكرة المخلّص المنتظر، وأن يؤمن كل منا أنه هو المخلّص إن بدأ بنفسه وآمن بقدرته على التغيير، ولم يسبح مع التيار إن كان هذا التيار يسير في الاتجاه الخاطئ، ولنربي أبنائنا على أن كل منهم هو مخلّص للأمة فليؤمن بنفسه وقدرته على التغيير، وليرفض كل السلوكيات الخاطئة، وإن أغضب كثيرين، فيكفي أن يرضي ضميره وخالقه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة