وليد سالم
وليد سالم
663

رجل أحيا أمة

7/7/2017

كلّما تفكّرتُ في حال أمّتنا وما آلت إليه من خنوع وذلّ هزّني الشوق إلى مجد الماضي، كم كنّا عِظامًا ورواسخا كالجبال! أنرْنا العالم وأحققْنا العدل، فتحْنا دُوَلًا وهديْنا أُممًا ودككْنا حصون الكفر، أمَّنّا المستضعفين وأجرْنا المظلومين. فبداية الخير كلّه رسول الله ﷺ، كان رجل بأمّة، أنار الكون يوم بُعث، أقام الدعوة وربّى الرّجال الذّين حملوا الرّاية من بعده وأكملوا المسيرة إلى يومنا هذا، فجدّدوا لنا الدّين وأنقذونا كلّما حلّت بنا النّوائب.


فعن أبي هريرة عن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا"، أيْ أنّه كلّما انحرف النّاس عن جادّة الدّين بعث إليهم عالمًا بصيرًا بالإسلام يبصّرهم ويرّدهم عن انحرافهم إلى الصّراط المستقيم، فسُمِّي ذلك تجديدًا للأمّة لا للدّين، فإنّ التّغيير والضّعف والانحراف إنّما يطرأ مرّة بعد مرّة على الأمّة، أمّا الإسلام نفسه فمحفوظ "إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ".


وقد ثبت أنّ العلماء عدّوا عمر بن عبد العزيز على رأس المئة الأولى، والشّافعي على رأس المئة الثّانية، وحديثي هنا عن أحد مُجدّدي القرن الرابع الهجري الشّيخ عبد الله بن ياسين وهو داعية ومجاهد مالكي (توفي في 24 جمادى الأولى 451هـ -1059م)، عدَّهُ محمد بن الحسن الثعالبي مجدّد الإسلام في شمال إفريقيا وواضع الأسس لدولة المرابطين. بدأت حملته الإصلاحية حينما خرج الأمير يحيى بن إبراهيم الجدالي من ديار الملثّمين قاصدا حجّ البيت وماضيًا في طلب العلم.

فيا رجال الدّين يا ملح البلد، من يُصلح الملح إذا الملح فسد؟ استقيموا يرحمكم الله! كونوا رجالا واصدحوا بالحقّ، فأنتم أعلم النّاس بأنّ مشيئة الله أعلى وأجلّ من مشيئة هؤلاء المتخاذلين الذّين تقبعون تحت أرجلهم.

واجتاز في إيّابه مدينة القيروان عام 440هـ التّي كانت آنذاك كعبة القُصّاد من قاصية المغرب والأندلس، فحضر مجالس الذّكر والعلم للفقيه أبو عمران الفاسي. فرغب الأمير أن يُرسل الفقيه ومعه من تلاميذه من يثق بعلمه ودينه، ليعلّم قبيلته ويصلح لهم دينهم لما لحِقهم من جهل بتعاليم الإسلام. فانتدب لذلك الشيخ عبد الله بن ياسين الجزولي. دخل ابن ياسين بلاد صنهاجة صُحبة زعيمها يحيى، وأخذ يبثّ تعاليم الإسلام ويُحييها في نفوسهم، وطالبهم بالإقلاع عن عاداتهم المنافية للإسلام كالزّنا والسّرقة، لكنّهم ضيّقوا عليه، فأخذوا يجافونه وينفرون منه ممّا اضطرّه لمغادرتهم، فخرج معه الأمير يحيى وثلّة ممّن ثبتوا على الحقّ وانقطعوا إلى جزيرة على مصبّ نهر السنغال حيث أقاموا يعبدون الله ويطبّقون تعاليم دينه الحنيف، فما لبثوا إلّا قليلا حتّى كثُر عليهم الوارد ونزع إليهم التوّابون ممّن جفوهم من قبل، حتّى بلغ عددهم نحو ألف رجل، فهبّوا للجهاد وقاموا بفتح جديد لقبائل صنهاجة حتّى دانت لهم كل بلاد المغرب.

ولمّا توفّي الأمير يحيى بن إبراهيم، قدّم ابن ياسين يحيى ابن عمر اللمتوني أميرًا مكانه، وبعد وفاته استمرّ أخاه أبا بكر في تأييد عبد الله بن ياسين وكان من أهل الدّين والفضل، وساهم في توحيد بلاد المغرب، ونشر الإسلام في الصحاري القاحلة وحدود السنغال والنيجر، وجاهد القبائل الوثنية والزّنوج حتّى خضعت وانقادت للإسلام والمسلمين، وساهموا في بناء دولة المرابطين الفتيّة، وشاركوا في الجهاد في بلاد الأندلس. وكان من أبرز وجوه هذه الدولة يوسف بن تأشفين الذي أسّس مرّاكش، ودخل الأندلس وأخضعها لسلطته بعد معركة الزّلّاقة. وعايش ابنه الأمير علي أبرز فتراتها حتّى قيام دولة الموحّدين سنة 541هـ .

وأمّا عن أحد أبرز مجدّدي هذا القرن -من وجهة نظري المتواضعة- فهو الشيخ أحمد ياسين (28 يونيو 1936) داعية ومجاهد ومؤسّس حركة المقاومة الإسلاميّة حماس، ولد في قرية الجورة جنوب قطاع غزّة، لجأ مع أسرته إلى القطاع بعد حرب 1948، تعرّض لحادث في شبابه نتج عنه شلل تامّ، عمل مدرّسا ثم خطيبا وأصبح في ظلّ حكم إسرائيل أشهر خطيب عرفته غزّة.


شارك في المظاهرات التّي اندلعت في غزّة احتجاجًا على العدوان الثّلاثي على مصر عام 1956، وبعد هزيمة 1967 التّي احتلّ فيها العدوّ الصّهيوني كل الأراضي الفلسطينية استمرّ الياسين في إلهاب مشاعر المصلّين من فوق منبر مسجد العبّاسي ويجمع التبرّعات والمعونات لأسر الشّهداء والمعتقلين، ثمّ عمل رئيسًا للمجمع الإسلامي بغزّة، واعتُقِل عام 1983 بتهمة حيازة أسلحة وتشكيل تنظيمٍ عسكري والتحريض على إزالة الدّولة اليهوديّة من الوجود، وأصدرت عليه إحدى المحاكم الإسرائيليّة حكماً بالسجن 13 عاماً، وأفرج عنه عام 1985 في عمليّة تبادل للأسرى بين سلطات الاحتلال والجبهة الشعبيّة لتحرير فلسطين.

كم من شيخ وعالم كنّا نحسبه على خير كُشف وتعرّى وسقط أمام أعيننا، واعلموا أنّ التّاريخ لا ينسى شيئًا وإن زُوِّر فهو يلفظ التّدنيس والزّور كما يلفظ الماء العفن.

أسّس الياسين مع رفاقه حركة المقاومة الإسلاميّة حماس بعد خروجه من السّجن ومع اندلاع الانتفاضة الفلسطينيّة عام 1987 وتصاعدها بدأ الاحتلال بالتفكير في إيقاف نشاطه، فبدأ بمداهمة منزله وتفتيشه، وهدّده بالنّفي إلى لبنان، ثم أُلْقِي عليه القبض والمئات من الفلسطينيّين عام 1989 في محاولة لوقف المقاومة المسلّحة، وفي عام 1991 أصدرت إحدى المحاكم الإسرائيليّة حكماً بسجنه مدى الحياة بتهمة التحريض على اختطاف وقتل جنودٍ إسرائيليين وتأسيس حركة حماس، وفي عام 1997 تمّ الإفراج عنه بموجب اتّفاقٍ تمّ التوصّل إليه بين الأردن والاحتلال على إثر عمليّة الاغتيال الفاشلة التّي قام بها الموساد في الأردن، والتّي استهدفت حياة خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السّابق. استشهد الشيخ أحمد ياسين مع مرافقيه (22 مارس 2004) في هجوم صاروخي شنّته الطائرات الإسرائيليّة أثناء عودته بعد صلاة الفجر.

شيخ قعيد أيقظ أمّة!
فأين علماء ودعاة اليوم من هؤلاء؟ ألا يخجلون وهم يقرؤون السِّيَر والتّاريخ من مواقفهم ومعاناتهم في سبيل انتشال الأمّة من هوانها ومواقفهم اليوم علماء السلاطين (إلّا من رحم ربّي)؟، يُبدلّون في الدّين ويفصّلون الفتاوى على هوى حكّامهم، ألا يعلمون أنّهم كلّما ازدادوا من السّلطان قربا ازدادوا من الله بعدا؟

فيا رجال الدّين يا ملح البلد، من يُصلح الملح إذا الملح فسد؟
استقيموا يرحمكم الله! فصلاح الأمّة يبدأ من تحت مساطب وحلقات علمكم، كونوا رجالا واصدحوا بالحقّ، فأنتم أعلم النّاس بأنّ مشيئة الله أعلى وأجلّ من مشيئة هؤلاء المتخاذلين الذّين تقبعون تحت أرجلهم، كم من شيخ وعالم كنّا نحسبه على خير كُشف وتعرّى وسقط أمام أعيننا، واعلموا أنّ التّاريخ لا ينسى شيئًا وإن زُوِّر فهو يلفظ التّدنيس والزّور كما يلفظ الماء العفن. ولا غالب إلا الله ..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة