رسالة إلى المفتخر بتاريخ الإسلام

13/8/2017
يكثر استخدام شعار -الإسلام هو الحل- بعد عقود طويلة من التخلف، شعار يحمل في ثناياه الكثيرَ من الأمل للمقتنعين به مع كثير من الفخر، يعود المسلم للتاريخ عبر كتب المقريزي وابن كثير وغيرهما لاستنطاق بواطنه واستكشاف القوة التي كان عليها أجداده، ولا يكاد يُمرر الفرصة حتى يرفع شعاره ويصدح به ويتغنى. لكن لا يمكن قبول أي شعار بدون النظر فيه، أي إسلام يقصدون؟ ثم ما الذي يقصدون بأنه هو الحل؟ هل سيصنعون به حضارة توازي بقية الحضارات المعاصرة أم أنها حضارة تأكل وتغزو البقية وتنفرد بالقوة والعظمة؟

 

كثيراً ما يتضادُّ المنطق مع المشاعر الإنسانية، والمنطقُ يقول أن العالم اليوم أفضل بكثيرٍ من أي وقت مضى، عندما نقول أن العالم بخير فهو بخير حقا، لكن المسلم يرى أنه ليس كذلك لأن المسلمين ابتعدوا عن دينهم وبذلك خسروا الدنيا وربما يكادون يخسرون الآخرة، إن العالم ليس بخير لأن المُسلم ليس بخير، نجده يشعر بالظلم ويفتخر بكون أجداده غير ظالمين وهو ينتظر عودة مجد الأيام الخوالي حتى ينقَضَّ على عدوه الغربي الأزلي، ومنه هل من المنطقي أن يفتخر المسلمون بتاريخهم الإسلامي؟

 

إن احترام التاريخ ضرورة لابد منها، التاريخ أحد العناصر المكونة لهوية الشعوب، واحترامه يوجب توثيقه وتدريسه والاستفادة منه كتجربة خاصة تفيد في التنبؤ بالمستقبل

ولو كان المسلم صاحب قوة لَحَوَّلَ العالم إلى خراب بسبب الحقد التاريخي الطويل الذي يكنه لأوروبا وأمريكا وربما عاد ليغزوهم باسم الله ولأراق دماء العراة وسبى واتخذ العبيد والجواري، لا يُتوقع غير ذلك من إنسان يدعوا ويُؤَمِّن على الكفار كل جمعة من القرن الرابع عشر، ولا يُتوقع إذا سألنا أي شيخ من المشايخ عن ذلك إلا وأجازه وأباحه وحبَّبَ له إن لم يجعله فرضا.

 

الافتخار بالتاريخ جملة واحدة لا يأتي إلا من الجاهل به، وطالب الحقيقة هو الوحيد الذي لن يتكاسل في فتح آلاف الكتب وتفكيكها بمنهجه علمية مقبولة ومحترمة بالاستقراء والاستنتاج، لهذا فإن قراءة التاريخ في التراث مهمة صعبة لا يطيقها غير الباحث الحقيقي، وعلى هذا فإن الشيوخ يصورون لنا التاريخ الإسلامي على أنه تاريخ أبطال سخرهم الله لخدمة البشر والإنسانية، وهم لابد أنهم اعتمدوا على نتائج قراءات قاصرة تُرضي تشددهم في تقديس الشخصيات، لكن، بغض الطرف عن الفترات الدموية التي رفعت شعار الإسلام، نقفز عن تلك الفترات الموثقة ونحتفظ بفترات المجد والعدالة فقط، هل يُسمح الافتخار بها؟

 

إن احترام التاريخ ضرورة لابد منها، التاريخ أحد العناصر المكونة لهوية الشعوب، واحترامه يوجب توثيقه وتدريسه والاستفادة منه كتجربة خاصة تفيد في التنبؤ بالمستقبل
- ثم ماذا؟
- لا شيء آخر.

 

لماذا لا شيء آخر؟ لأن الزمن لا يمكنه أن يتطابق في فترتين وإن كانتا متتاليتين قريبتين، ولأن معطيات فترة سابقة تختلف مع متطلباتها عن أي فترة تليها، لهذا فإن كل السر يكمن في المُعطى والمَطلب، إن سكان العالم القديم بمعطيات فترتهم لم يخرجوا عن متطلبات تلك المعطيات حتى يؤسسوا للحضارة أو للثقافة أو يجنحوا للحرب أو للسلم، عندما نتكلم عن التجارة أو البناء أو الجيش بين القديم وتاريخ اليوم فنحن نتكلم عن مصطلحات متطابقة اللفظ لكنها مختلفة تمام الاختلاف في أشكالها وألوانها وأوزانها.

 

لهذا، فإن أي محاولة لإعادة أمجاد الماضي من خلاله متطلباته القديمة ضرب من ضروب الخيال وإن تطابقت معطياتهما. يوجد تسجيلٌ شائع في اليوتيوب لشيخٍ داعية صاحب لحية كبيرة يدعو المسلمين لإعادة إحياة فرض الجهاد الذي فيه متعة والتي كان الصحابة عليهم السلام يتسابقون عليه، ويحصل بالمقابل أن يتم القضاء على الفقرِ من جهة، وسبي ثلاثة أو أربعة نساء لكل شخص.

 

عندما يفشل الدين في ضبط نفس معتنقيه فلابد أنه توجد مشكلة، إما في الدين أو في شخوص معتنقيه، وعندما نرى التعصب والتطرف بين المذاهب حد التناحر فذلك يحيلنا لإعادة التفكير من البداية

هذا الداعية يريد أن يحارب الغرب على طريقة الصحابة، وهو مقتنع أن فضل الله على المؤمنين لن ينقطع وستنزل الملائكة تحارب معهم وسيعتمد على الآية التي يتوعد الله فيها الكفار ببث الرعب في قلوبهم، وهكذا سينتصر الإسلام في القرن الحادي والعشرين بالدروع والرماح والسيوف الكلاشينكوف التقليدية والدبابة اليدوية كأثر السلاح تطورا في العالم المتخلف على الراجمات وحاملات الطائرات والقنابل العنقودية على افتراض أن الغرب لن يستعمل الذري والنووي والهيدروجيني حفاظا على الكوكب.

 

الفخر الزائف الذي يعيشه صاحبنا والذي يدفعه لِيُمَنِّيَ النفسَ باستعادة المجد المسلوب بالسيف المصقول والدرع المدقوق عند الحداد لا نجد له تفسيرا له غير أنه جاهل، وهو لا يعلم أن الشجاعة قد انتهى زمنها عند اختراع أول رصاصة في التاريخ، ولو سألناه إذا ما كان هنالك عشرة رجال بعضلات مفتولة بمواجهة امرأة ضعيفة هزيلة، لكنها تحمل كلاشينكوف، من ينتصر؟ ثم إنه لا يعلم أن اليهود قد تفاخروا بتاريخهم ذات مرة فقال تعالى فيهم في سورة آل عمران "لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوا وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" إن الله يعطينا درسا في الآية والتي تعني أنه من الحماقة أن يفتخر الشخص بما لم يفعله بل نجد ان هذا أحد أسباب العذاب، وحسب النص القرآني فإن "تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ ۖ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ"، ثم يستمر الخطاب فنجده يقول "وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ".

 

عندما يفشل الدين في ضبط نفس معتنقيه فلابد أنه توجد مشكلة، إما في الدين أو في شخوص معتنقيه، وعندما نرى التعصب والتطرف بين المذاهب حد التناحر فذلك يحيلنا لإعادة التفكير من البداية، ولا بد أن المشكلة في دين هؤلاء حقا، دين المذاهب البعيد عن روح الكتاب الذي بين أيديهم "أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ"، لم يكفهم ذلك فأضافوا قدسية التاريخ فصار دينهم دين التاريخ وليس دين القرآن.

 

عندما هاجم بعض الحمقى من طالبان سنة 2001 تمثالي بوذا العملاقين في وسط أفغانستان تخوف العالم الاسلامي من ردود فعل البوذيين الذين يفوقون تعداد المسلمين في جيرتهم بأضعاف، لكننا انبهرنا برد فعل أكثر من ملياري بوذي البارد اللطيف، إن دينهم يحثهم على السلام والتصالح مع أخطاء البشر، وكل ردود أفعالهم لم تكن أكثر من مجرد نقد بسيط في الإعلام، نقدا عن خسارة الإنسانية لهذا الإرث التاريخي الحضاري-فقط-.

 

ماذا لو حصل ذلك مع المسلمين وقد رأينا كيف كانت ردود فعلهم مع رسومات ساخرة لا تُقدم ولا تُؤخر؟ ربما أول خطوة نحو إصلاح الواقع الإسلامي ليس مقاومة الغرب أو الانتقاص من حضارتهم أو الدعاء عليهم، أول الخطوات هي مقاومة المسلمين للتاريخ الإسلامي، واحترام متطلبات الحضارة الحالية من وعي ونظام تعليمي وبحث علمي والاقتناع أن متطلبات الحضارة القديمة من يد عاملة استعبادية والغزو لم تعد موجودة، بذلك يعود التاريخ موضوعيَّ الاستخدام، وليس نصوصا مقدسة لا يجوز إعادة النظر في ثوابتها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة