مالك المكانين
مالك المكانين
1.4 k

كانط ونيتشه.. صراع العبقرية والجنون

19/8/2017
في القرن الثامن عشر وضع الفيلسوف الألماني كانط نظرية الواجب الأخلاقي، كنظرية كونية تصلح لكل البشر، واستجابة لشرط الكونية اعتمد العقل العملي معياراً للأخلاق بمعزل عن علم النفس التجريبي؛ لأنه لا يمكن لنظرية يراد لها أن تكون ثابتة وشمولية، أن تستنبط ما يجب أن يكون ممّا هو كائن، حيث يقوم هذا العقل بتعيين الإرادة المشرّعة للفعل، ولأن الإنسان هو من يشرّع لنفسه، فهو إذاً صانع ومحدد لهذا الفعل بإرادته الحرة، ولكي لا يصبح الموقف فوضوياً بين إرادات عدة، فإن كانط ينطلق أولاً من الأخلاق الشعبية، فيعتمد فكرة الذوق العام أو العمومية في تمييز الخير والشر.

ومن هذا العقل الإنساني المشترك يرتفع لمستوى التأسيس الميتافيزيقي لها بغية الوصول لأخلاق كونية، ولذلك يقول: (افعل الفعل، وكأن مسلمة سلوكك ستصبح بإرادتك هي القاعدة العامة للإنسانية)، ويقول أيضاً: "عامل الإنسانية كلها في شخصك". والفكرة المحورية التي أدخلها كانط في مذهبه أن أخلاقية الفعل الخلقي تكمن في الفعل نفسه، وعدم انزياحه لقيمة خارج عنه، كيلا يصبح فعلاً غائياً يهدف منفعة فيفقد قيمته الخلقية، فاحترام القانون الأخلاقي هو الدافع إلى الفعل الخلقي، ولذلك تسمى أخلاق كانط بأخلاق الواجب من أجل الواجب.

إن تأسيس ميتافيزيقا الأخلاق المنوطة بوظيفة العقل العملي هي دراسة العناصر القبلية المسؤولة عن القواعد السلوكية، وهذا العقل يمتلك ثلاث فرضيات أو مصادرات، فكانت المصادرة الأولى هي خلود النفس، فطالما أن الإنسان يسعى نحو خيره الأسمى (السعادة الأبدية)، فإنه يتحتم عليه الاعتقاد بخلود نفسه كي ينال ذلك الخير. ثم المصادرة الثانية وهي وجود الله، ويفترض كانط أن الأخلاق تُلزم الإنسان الاعتقاد بوجود الله، لأنه لا يستطيع تعليق أمله في الخير الأسمى إلا على أرادة كاملة ومطلقة، ولما كان الله هو كلّي العدل والخير، فلا خير للإنسان إلا بوجود الله في عالم الخلود في حياة الإنسان الأخرى.

ثم ثالثاً مصادرة الحرية، وهي ضرورة لاستقلالية الإنسان في الفعل الخلقي، بوصفه فاعلاً مسؤولاً خلقياً عن أفعاله، فأخلاق كانط قائمة على مبدأ التشريع الذاتي. وهنا يأتي دور الدين ليتم عمل الأخلاق، فاعتقد كانط بضرورة النظر إلى أفعالنا الخلقية وكأنها أوامر إلهية، فالفعل الخلقي هو الذي يحملنا إلى إرضاء الله، ومن ثمّ نصبح جديرين بأن نظفر بالسعادة الأبدية. فالدين بما يملكه من تصورات أخروية، يقوم بتتمة العمل الأخلاقي، والذي لا يمكنه أن يعلق أمله إلا على إرادة الله الكليّة العدل والخير.

على عكس "كانط" تماماً تقبع فلسفة "نيتشه"، وبعدمية مجنونة يحاول تحطيم كل قيم الأخلاق، انطلاقاً من إيمانه بضرورة تحرير الإنسان من كل معتقد أو قيمة.

(نيتشة)

مواقع التواصل
فبموقف معتدل ينظر كانط للإنسان بأنه وجد ولديه الميل نحو الشر، كما لديه الاستعداد الطبيعي للخير، فكانت مهمة التربية الأخلاقية العمل على عدم نزوع الإنسان نحو الشر، ومن ثمّ تعزيز الخيرية التي في طبيعته. ليكون حال الاجتماع البشري أخلاقياً، وصفة الخلقية هنا هي حال المجتمعات المدنية المقودة بفلسفة الحق ضمن فضاءات مشروع كانط في السلام العالمي الدائم.

وعلى العكس تماماً تقبع فلسفة نيتشه، وبعدمية مجنونة يحاول تحطيم كل قيم الأخلاق، انطلاقاً من إيمانه بضرورة تحرير الإنسان من كل معتقد أو قيمة، لأنه لا قاعدة يمكن أن تشكل المرجعية لأي فعل خلقي، فاعتقد نيتشه بوهم الأخلاق بصيغتها الكانطية؛ لأنها برأيه النسخة الأخرى من الدين الذي طالب بموته. فما قام به كانط، برأي نيتشه، هو إحياء الدين بفلسفة الأخلاق، وبالتالي لم يكن كانط برأيه أكثر من نصف رجل دين وليس فيلسوفاً.

وطالما لا وجود لقيم أخلاقية ودينية حقيقية، فإنه ثمة انحطاط للمعنى، وبالتالي الانكار التام للحياة التي ستغدو خالية من أي قيمة. وبعكس كانط، رأى نيتشه أن الإنسان مطبوع على الشر فقط، وبأن الإنسان الأخلاقي الذي تصوره كانط، ليس سوى ذلك الضعيف الذي لا يملك القدرة على إظهار طبيعته الشريرة. وبنظرة سلبية تامة لم ير نيتشه في الإنسان سوى الكائن المليء بغرائز الحرب والوحشية، وبهذا السلب ذاته تتقدم البشرية من خلال انكار كل القيم، وتفعيل دور الطبيعة الشريرة للبشر المنقسمين إلى أقوياء وضعفاء. وفي سعيه نحو ظهور الإنسان الأعلى/المتفوق قال بضرورة القضاء على الجنس الأضعف، وذلك في جنون نيتشوي نحو احلال الانسان محل الله، ويمتد هذا الجنون نحو تحطيم كل ما يقف بوجه هذا الحلم من مفاهيم كالخير والعقلانية والضمير، لأنها برأيه مفاهيم مثبطة وغير حقيقية، إنها تخنيث البطولة بمعنى أدق.

في عالم السياسة اليوم ثمة عبق إرادة القوة النيتشوية بما لا يمكن نكرانه، ليتبين أن نيتشه كان أكثر حظاً من كانط في استجابة السياسي لفلسفته بعد تعديلها بعض الشيء.

(كانط)

مواقع التواصل 

وبالتالي فإرادة القوة النيتشوية هي عدوة أخلاق الواجب الكانطية، وفي كتابه "إنسان مفرط في إنسانيته" أوضح نيتشه كيف قامت الحضارة الغربية بعملية استبدال الدين بالأخلاق، والخير بالديمقراطية، بينما كان المفروض أن تعمل بالمعنى الحقيقي للطبيعة الإنسانية، والتي هي طبيعة متوحشة تسعى نحو التقدم بالقوة، وذلك يتم من خلال إنهاء وجود الأجناس الضعيفة. إن نيتشه لم ير في الأخلاق إلا كل أساس ديني، فذهب إلى حدود الزعم بضرورة تحقيق إرادة القوة، وإعدام كل قيم الأخلاق، والانكار التام للحياة الأخرى. إن هذا الفيلسوف العدمي سعى نحو غربلة الجنس البشري كيلا يبقى سوى الأجدر بالحياة التي هي فقط عالم للإنسان الأعلى. يقول نيتشه "على أهل الإنسانية المتفوقة.. أن ينقذوا من لا يصلحون للحياة بالقضاء عليهم دون إمهال".

وكبديل للحياة الأخرى التي أنكرها، قال نيتشه بنظرية العود الأبدي، حيث تنص هذه النظرية على أن كل فعل سنقوم به سيتكرر معنا إلى ما لانهاية من المرات، يقول: "كل إنسان وجد لا بد أن يقذف به البحر مرة أخرى إلى الشاطئ". فبرأيه لا حياة غير هذه الحياة، ونهايتها تعني بدايتها من جديد في رحلة سرمدية. وكأن الحياة مجرد كتاب ضخم لامتناهية أرواقه، ولكنها متشابهة تماماً بالأحرف والكلمات ذاتها، ولذلك يحذرنا نيتشه من أن نختار أفعلنا بدقة؛ لأن كل شيء سنفعله هنا والآن سنكرره إلى ما لانهاية في حيواتنا الما لانهاية أيضاً، ولذلك يخاطب اللحظة/الآن قائلاً: "فلتتكرّري إلى الأبد". إنها كفيلم بالأحداث ذاتها، والذي ما أن ينتهي حتى يبدأ من جديد. وهكذا إلى الأبد، وهي فكرة لدى نيتشه تشكل دافعاً نحو ظهور الانسان الأعلى والعرق الأنقى، وذلك يتحقق في العمل بمقتضى إرادة القوة، بغية غربلة بشرية تمهد لظهور جنس بشري أقوى.

وبين الإيمان والإلحاد، والعقلانية والعدمية، والعبقرية والجنون، يبقى سؤال الأخلاق بالأمس سؤالاً فلسفياً راهناً لليوم، كما تبقى عبقرية كانط تقف على طرف النقيض من طرح نيتشه، معتقداً بفكرة الجوهر والأصل الإلهي للوجود، وبقاعدة عمومية أخلاقية للإنسانية كلها، وبأن البشرية تتقدم بالخير والعقلانية والتنوير والحرية والسلام، وليس بتحطيم القيم والاقصاء، وفلسفة غرائز الحرب. ولكن في عالم السياسة اليوم ثمة عبق إرادة القوة النيتشوية بما لا يمكن نكرانه، ليتبين أن نيتشه كان أكثر حظاً من كانط في استجابة السياسي لفلسفته بعد تعديلها بعض الشيء، فالحضارة الغربية التي انتقدها نيتشه بالأمس قد سمعت كلامه اليوم، فما يقوم به الغرب من أدلجة للعلم، وتشيؤ للإنسان الكوني في عالم رقمي، واحتكار لقيم الحرية والديمقراطية، ودعم للنظم الديكتاتورية، وعزل شعوب كاملة عن قيم الحداثة والتقدم، ثم العولمة وهيمنة المركز على دول الأطراف، هو أمر لم يكن ليراود نيتشه في أكثر أحلامه جنوناً.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة