سارة العتيبي
سارة العتيبي
1.3 k

الحج.. رحلة الميلاد!

27/8/2017

الحج هو أحد أعظم الشعائر الدينية الجماعية في الإسلام، وهو خامس أركان الإسلام وفي نفس الوقت هو أخر شعيرة دينية قام بها النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته. الحج ذلك المؤتمر والتجمع العالمي السنوي العظيم الذي يجمع ملايين المسلمين من كل بقاع الأرض ليجتمعوا معاً على أرض واحدة، لأداء شعائر موحدة، بأبسط لباس يرتديه الإنسان وكأنه يُنزل الناس جميعاً إلى منزلة واحدة ثابتة، إلى منزلة العبودية لله.. كأن الله يناديهم في ذلك الموقف على اختلاف أعراقهم وخلفياتهم ولغاتهم ومنازلهم الاجتماعية: "لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ" ليقفوا جميعا أمام الله سواسية لا يميزهم أي فوز دنيوي حققوه في حياتهم، ليعيشوا 6 أيام، وهي فترة الحج القصوى، مجردين من كل شيء إلا من العبودية المطلقة لله.


هكذا يفترض أن يكون الحج. وهكذا ينبغي أن يكون. ولكن هل فعلا هذا ما يحدث في الحج؟ الغريب أننا ومن باب جعل الحج ميسراً وسهلاً على الناس، جعلناه طبقات وألوان وأشكال. فهناك حجٌ بنجمة واحدة وهناك حجٌ بـ 7 نجوم، الأول يمضي الحاج حجه وهو ينام ويصحو ويأكل على قارعة الطريق وهذا حج البائس الفقير. وآخر يعيش الحاج حجته كأنها أيام في أفخم فنادق العالم: خيمة مكيفة، خدم على مدار الساعة، ماء بارد وأصناف من الطعام على مدار الساعة وهذا حج الغني الفاحش. 


حججت قبل 9 سنوات تقريباً كنت صغيرة نوعاً ما. لكن لم أنسى ما شعرت به مطلقاً. الطبقية المقرفة كانت تلحق بنا حتى هنا في الحج. الخيم تختلف في كل درجة والخدمة تختلف في كل شارع. الغني طعامه ولباسه وماءه يصله حتى قدميه والفقير يقف أمام شاحنات يُرمى له الطعام والماء رمياً لتشعر بالذل برؤية ذلك المنظر ولتهرب من هناك حفاظاً على ما تبقى من كرامتك!



ترى ما الذي فعلناه بالحج؟ لماذا شوهناه إلى هذه الدرجة؟ لماذا قتلنا فيه كل معنى وعطَّلنا فيه كل معركة يجب أن نخوضها لنفوز بجائزة (من حج لله فلم يرفث ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه). لماذا صار الحج انعكاسا لواقع الأمة المرير البعيد عن التكافل والتلاحم والقرب والمودة والشعور بالأخر؟!


أوليس الحج هو إحياء للكفاح الذي عاشه أبونا إبراهيم عليه السلام المسلم الأول الذي أطلق علينا اسم المسلمين؟ أليس الحج هو رحلة للولادة الجديدة، لولادة المسلم الرؤوف القوي الحليم العابد الزاهد، الذي يراعي مصالح أفراد الأمة وهمومها أولاً! أليس الحج هو مرآة لحال أمتناووضعها!

 

الحج ذلك المؤتمر والتجمع العالمي السنوي العظيم الذي يجمع ملايين المسلمين من كل بقاع الأرض ليجتمعوا معاً على أرض واحدة، لأداء شعائر موحدة، وكأنه يُنزل الناس جميعاً إلى منزلة واحدة ثابتة، هى العبودية لله

لحظة لحظة.. هنا مربط الفرس إذاً.. هنا السؤال الصحيح.. هنا الوجع الحقيقي! الحج هو مرآة وانعكاس لحال الأمة الحقيقي.. وماذا نرى في الحج؟ للأسف ما نراه هو قلة الصبر والأنانية المطلقة ومظاهر من العنصرية والقومية وسلوكيات العشوائية، وعدم الانضباط والنظام، والإخلال بالكثير من القواعد العامة، والاستهتار بالحفاظ على مظاهر البيئة والنظافة العامة، والكثير من السلوكيات التي لا تراعي مصلحة عموم الحجاج فترى مظاهر التدافع والتزاحم وبعض حالات السرقة وكثير من حالات التضليل بالناس، والكثير الكثير (للأسف) من الفُرقة رغم أن الحجاج يقفون على بقعة أرض واحدة ولكنهم كثير وقلوبهم شتى.


حسناً يبدو أنني وضعت بين أيديكم مشهدا مؤلما ومحبطا للحج، مشهدٌ يجلب الضيق والهم والكدر لقلبك.. صدقني عزيزي القارئ لم أقصد ذلك على العكس تماماً عليك أن تكون سعيداً بمعرفة ذلك! أتعلم لماذا؟ لأن أول خطوة لإيجاد الحلول هو معرفة المشاكل التي تواجهنا! ستصاب بالكثير من الإحباط بعد أداء الحج خاصة لو كنت تعمل في مجال العمل المجتمعي أو التوعوي أو الإصلاحي وسيصيبك اليأس من الحال الراهن وستطلق زفيرا طويلا جدا مصحوباً بعبارة مفيش فايدة!


أعلم ذلك ونصيحتي لك: هون عليك، نحن ما زلنا بخير وسنكون أفضل بأذن الله. ستقول لي كيف ذلك؟ كيف بعد كل هذه الكوارث التي أُوردت في هذه التدوينة؟ أقول لكم: مكة لم تفتح إلا بعد أن امتلأت بالأصنام، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحج إلا بعد 10 سنوات من الهجرة، بعد أن أرسى قواعد الدولة العظيمة التي تمتلئ بالأخلاق العظيمة والأسس القويمة! لذلك ربما علينا أن نصل إلى القاع قبل أن نبلغ القمة من جديد!


رحلة الميلاد التي سنعيشها قبل أن نحج إلى بيت الله الحرام تأتي بعد أن نُدرك ونفهم ونتشرب ونعيش آخر آية في سورة الحج التي يقول فيها ربنا: "وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ۚ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ۚ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ۚ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۚ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۖ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِير"ُ (78)


في هذه الأية يأمرنا الله فيقول: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ) بأموالكم وألسنتكم وأنفسكم، لأنه كرمكم واختاركم من بين ملايين البشر: (هُوَ اجْتَبَاكُمْ) لتكونوا من هذه الأمة، ففضلكم وشرفكم وخصكم بأكرم رسول وخاتم نبي على الأرض، وأعظم دين. هذا الدين الذي ما جعله صعبا عليكم(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) فما كلفكم ما لا تطيقون، بل كلفكم بما كلفكم لأنكم انتم بالذات تستطيعون، كيف لا وأنتم امتداد لإرث أبيكم إبراهيم عليه السلام (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) وحتى تكونوا مسلمين حقاً، مسلمين بالإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم فعليكم أن تلزموا ما أمركم وتفعلوا كما فعل: (فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي : قابلوا هذه النعمة العظيمة بأنكم من هذه الأمة بالقيام بشكرها، وأدوا حق الله عليكم في أداء ما افترض، وطاعة ما أوجب، وترك ما حرم. ولا تنسوا أهم قاعدة للحفاظ على قوتكم ومصدر ثباتكم وعزتكم: (وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ) أي: اعتضدوا بالله، واستعينوا به، وتوكلوا عليه، وتأيدوا به، فهو بنفسه جل وعلا مالك الملك والقدرة (هُوَ مَوْلَاكُمْ) حافظكم وناصركم ومظفركم على أعدائكم، (فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِير) يعني: نِعم الولي ونعم الناصر من الأعداء.


أمة تعيش بهذه الفلسفة لا يمكن أن تنهزم، وأمة تحج لهذا وبهذا لا يمكن أن تنخدع أو يغرر بها أو تستخدم لتخدم الأخرين! فالحج لهذا الميلاد ولهذه الرحلة. لنذكر أنفسنا أن الله اجتبانا لنكون مسلمين، وأن الله كلفنا بكل ما كلفنا به من عبادات وأوامر وفروض كي نكون أقوى وكي نستحق أن يكون الله هو مولانا ونصيرنا. فيا ربنا... لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك..

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة