زهراء بسام
زهراء بسام
517

ألتراس الشبكات الاجتماعية

7/8/2017

(1)

هل يمكنك أن تعدّ لنا كم مرّة تراجعت فيها عن إبداء رأيك والمشاركة بالتعليق في نقاش إلكترونى على أحد شبكات التواصل الاجتماعي خوف السبّ أو السخرية بما قد يصل إلى هَدر كرامتك؟ اعتقد أن ذلك الخوف تلبّسنا جميعاً مرّة على الأقل، حين كنّا نملك رأياً مختلفاً أو زاوية أخرى للرؤية احتفظنا بها لذواتنا حِفظاً لـماء الوجوه.

بالمقابل، من السهل أن نرصد "عنف لفظي" متزايد فيما يشبه "التنمّر" على الآخرين لمجرد اختلاف كان قديماً لا يفسد للودّ قضية، حالة من الاستعداء والهجوم تكاد تكون سمة عامة لأي نقاش بدءاً من قضايا الأمة الكبرى وانتهاءً بطريقة عمل أكلة ما!

وفى الحالتين تتحدد خياراتنا بناءً على مفاهيم القوة\ السلطة، ما نمتلكه منها وما نستطيع الاستفادة بها في "معاركنا" التي لا تنتهي، فإن كنت جزءا من ألتراس قوي يمكنه المنافحة عنك فبإمكانك قول ما تشاء وإن خالف المنطق، يصبح "الألتراس" في هذه الحال جيش دفاعك، كما تكون أنت في حالٍ أخرى جيش هجومه.

(2)

نحن مهزومون.. تلك حقيقة يمكنها تفسير هذا الكمّ من العنف والعنف المضاد الذي نمارسه أو على أقل تقدير نقبل به كل يوم، فالظلم والإحباط -كما يقول علماء النفس- يدفعان الإنسان للعدوان

يُعرّف يورغن هابرماس -المفكر وعالم الاجتماع الألماني- المجال العام بوصفه " شبكة لنقل المعلومات ووجهات  النظر"؛ وحيث أنّ الشبكات الاجتماعية تقوم في هيكلتها على "العلاقات الدائرية"؛ فأصدقاء أصدقائي هم أصدقائي.

كما أن بُنية التفاعل فيها تقوم على "الاهتمام المشترك" كسبب رئيسي في تعمّق العلاقات وامتدادها، فإنه كان يُنظر لمجتمع الشبكات الاجتماعية على أنه "مقترح جيّد" لتكوّن "مجال عام" بعيد عن سلطة الدولة وتراتبية وسائل الإعلام التقليدية بما يجعله فرصة جيدة جداً لتكوّن قوة ضغط تغيرية على المستوى السياسي والاجتماعي تكتسب قوتها الأساسية من الحوار المفتوح والمناقشة الحرّة.

لكنه وعلى مستوى الممارسة خلال السنوات الأخيرة فإنّ الشبكات الاجتماعية وإن تحللت من سلطة الدولة وهيمنة رأس المال فهي في الواقع لم تتحلل من "سلطة الجموع" والتي بإمكانها ممارسة عنف ربما أسوأ مما يمكن أن تمارسه الدولة أو رأس المال، ذلك لأنه يرتبط بالفرد مباشرة وبمكانته الاجتماعية من أفراد مناظرين له ومتساوين معه في الإمكانات والأدوات، اللهم إلاّ قدرة لسانية أسوء أو ظهير من الأصدقاء "يقصفون جبهات" مخالفيهم!

وهنا الإشكال الأهم؛ فـالعنف لا تمارسه "سلطة عُليا" تحتكم إلى احتكار القوة أو نفوذ المعلومة وتبسط هيمنتها على الجميع بحيث تكون مقاومتها مفهومة ومقبولة وواضحة، وإنما هو عنف مردود يمارسه أفراد المجتمع تجاه بعضهم تحت مظلّة الشبكات الاجتماعية، بما يعني أننا جميعاً نتنقّل بين أدوار الضحية والجناة طوال الوقت.

(3)

نحن مهزومون.. تلك حقيقة يمكنها تفسير هذا الكمّ من العنف والعنف المضاد الذي نمارسه أو على أقل تقدير نقبل به كل يوم، فالظلم والإحباط -كما يقول علماء النفس- يدفعان الإنسان للعدوان، بل والأسوأ من ذلك قبول ممارسته على الآخرين حتى وإن لم يكن بينه وبينهم خصومة مباشرة، ففي واقع الهزيمة يصبح "بأسنا بيننا شديد" وعلى هذا فإنه كلما زادت وطأة الهزيمة وقهرها انعكس ذلك العنف اللسانيّ المتزايد فيما بيننا كأفراد مجتمع واحد والتطبّع مع ما كان سابقاً محظور أخلاقياً وغير مقبول مجتمعياً.

يقول اللغويون أن العنف اللفظي هو "إخلال بالبُنية القيمية للغة" والتي هي في الأساس -أي البُنية القيمية- جوهرها ومناط وجودها، يأخذنا هذا إلى الحديث عن "المنظومة الأخلاقية" واهتزازها أمام ثِقل الواقع المأزوم، نتذكر هنا حالة "الارتباك" الدائمة في بدايات محاولة "شرعنة" السبّ المبالغ فيه والسخرية المهدرة للكرامة وتأصيلها منطقاً وعقلاً في مواجهة ما اصطلحنا عليه بداية بالـ"عدو".

لكنه وبمرور الوقت انسحبت تلك الشرعية على الجميع في مواجهة الجميع وتلاشى الارتباك لصالح فرض الأمر الواقع، وعلى قدر ما أصبح الحديث عن "الوازع الأخلاقي" ضرباً من المثالية الزائدة، إلا أن هذا لا ينفي حقيقة أنه الضابط الوحيد الذى لا يمكن إنكار حيويته وفاعليته في تهذيب ثارات الانتقام والاغتيال المعنوي المفتوحة على مصراعيها.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

694
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة