محمد الخشاب
محمد الخشاب
3.3 k

مَيّ زيادة.. الفراشة ومِصيدة الأدباء!

13/9/2017

المولد والنشأة
في يوم الحادي عشر من شهر فبراير عام (1886) ولدت ماري إلياس زيادة، لأب لُبناني وأم فلسطينية، كانا قد رُزِقا بطفل آخر ثم لم يلبس توفاه الله، لتكون ماري هي زهرتهما الوحيدة في الحياة، التحقت بمدرسة الراهبات اليوسفيات بفلسطين، وكانت ذات عقل نير، لا يهاب المُجازفات من أجل الوصول لغايته، ثم انتقلت ووالداها إلى لبنان فأكملت الدراسة وحصدت المراكز الأولى على مر أعوام دراستها التمهيدية، واطلعت على غير اللغة العربية، الإنجليزية والفرنسية، فكانت ذات ميلٍ وضّاح للفرنسية.
 
التعليم والظهور
وكانت البداية الفاصلة في مشوارها نحو الأدب، حينما ارتحلت وأسرتها إلى القاهرة عام (1907)؛ إذ كان والدها رئيسًا لجريدة "المحروسة" آنذاك، وعدوًا على خُطى والدها وما زُرع فيها من حب اللغة، انتسبت ماري إلى كلية الآداب جامعة القاهرة؛ لتدرس اللغة العربية وآدابها وتطلع على التاريخ الإسلامي وتغوص في بحر الفلسفة وتتعلم الفرنسية والإنجليزية والإيطالية، والألمانية، والرومانية، والسريانية، والإسبانية، وهنا في باحات جامعة القاهرة بدأت الملامح الأولى في حياة الأديبة تتشكل على نغمات مجهودها الشاق، وعملها المُتقن، فذِيع صرير قلمها في الأوساط الصحفية والأدبية تحت اسم "ميّ زيادة"، ودُعيت لحفل تكريم للشاعر مطران في الرابع والعشرين من أبريل (1913) لتُلقي كلمة نيابة عن جبران خليل، فقرأتها بلغة سليمة، وحركة رصينة، ودعت الحاضرين في ختامها لصالونها الأدبي، فدوى اسم مي زيادة في المجالس الأدبية والثقافية.
 
مي سيدة الصالون
كانت بداية انعقاد الصالون في (1913) واستمر يُعقد في الثلاثاء من كل أسبوع، وقد استقطب الصالون الأدباء والشعراء على اختلاف توجهاتهم الفكرية، فكان أحمد شوقي، والعقاد، ومُطران، ومحمد حسين المرصفي، والرافعي، وإسماعيل صبري، وطه حسين، وزكي مبارك، وغيرهم من رواد الأدب، ولعلّ ما كلّلَ صالون ميّ بالنجاح شبابها وتألُق نبوغها وسحر حديثها وإخلاصها له. من هنا نجد أن ميّ قد استطاعت أن تضيف لهذه الحِقبة الأدبية لونًا مميزًا، فمثلت مرحلة أدبية لذاتها، جعلت تجمع فيها الأدباء -الذين لم يكن ليجمعهم شيء- فناقشوا الكتب وتدارسوها، وأنشدوا القصائد وألفوها، إذ استمر الصالون ما يقارب خمسة وعشرين عامًا متتالية، فعلا شأنها في نظر الأدباء كلهم، وكثير منهم أحبوها حبًا شديدًا، وحاول الكثير استجذاب عاطفتها غير أنها لم تبالي بأي منهم.
 
ميّ ومحاولة الأدباء للفوز بحبها
أحبها العقاد -وكان الأقرب بعد جبران- وجاشت هي أيضًا بعاطفة مشبوبة حذرة، فتبادلا الرسائل فترة طويلة وطلب العقاد أن يلتقيا في غير الثلاثاء، فكان اللقاء، غير أنّ العقاد جمع بين حُبي مَيّ وسارة، فلمّا علمت بالأمر أشاحت عنه بعدما زارته في عمله فجأة ورحلت باكيةً مُعاتبةً. أمّا الرّافعي فقد سيطرت ميّ على فؤاده، فكتب لها رسالته الأولى، لكنّ مي -كما يشير التاريخ- لم تبادل الرّافعي نفس عاطفته؛ إذ كان متزوجًا ومقيمًا بطنطا وله من الأولاد عشرة وكتب لها ذات مرة في رسالته في السابع من يوليو 1923 "لم أتطفل على أحدٍ قبلك، ولن أتطفل عليكِ مَرتين." أحبها أيضًا أحمد لطفي السيد وكان أول من اتصل بها وعلمها الكثير عن اللغة العربية وكانت شاكرةً له ولفضله، وراسلها أكثر من مرة بعاطفة مشبوهة بالحب، لكنه لم يزد عندها عن مكانة المعلم والأستاذ فكان يكبَرها بفارق عمري طويل. وأيضًا أحبها الشاعر إسماعيل صبري ومُطران وغيرهم كتبوا وحاولوا استجذاب عاطفتها لكنها لم تمل لأي منهم.
 
مي العاشقة

 

القارئ في حياة ميّ يعلم جيدًا أنها لم تُسلم مفتاح قلبها إلا لرجل واحد لم تلتقِه ولو لمرة، كان جُبران خليل جُبران هو ذلك الرجل، أحبته مي من كتاباته وأسلوبه الذي وجدت فيه ملجأً آمنًا لذاتها وأحلامها؛ إذ كانت مولعة بالحب معناه وقيمه فقط، لم تهتم بصوره الجسدية واللقائية، فكان جبران الأقرب لما يدور في نفسها، رُغم علاقته بغيرها إذ كان جبران مهاجرًا لأميركا ولم يعُد منها حتى فارق الحياة، غير أنهما تبادلا الرسائل لمدة تزيد عن خمسة عشر عامًا، وتُظهر الرسائل قوة عاطفة ميّ وصدقها أكثر من جبران، فكانت أول رسالة أرسلتها هي عام (1911) تعبر فيها عن نفسها وعن أفكارها، وعن حبها لكتاباته وأسلوبه، فرد جُبران وأخذا في تبادل الرسائل في شتى مناحي الحياة، حتى مرض جبران فكتبت مي "غابت الشمس وراء الأفق، ومن خلال السحب العجيبة والأشكال والألوان حصحصت نجمة لامعة، هي الزُّهْرة، إلَهة الحب، لها جبرانٌ واحد حلو بعيد، هو القريب القريب، تكتب إليه الآن والشفق يملأ الفضاء."
 
المِحنة تعصف بميّ
رحل والدها عن الحياة في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر عام (1929) بعد صراع مع داء عِضال، وفي العاشر من أبريل عام (1931) رحل جبران، اشتدت الأمور عليها فقد كان جبران حبها الوحيد، غير أن المِحنة ضاقت بها ضيقة الغربة، ورحلت والدتها في الخامس من مارس عام (1932)، فدخلت ميّ في عُزلة نفسية فرضها عليها الواقع الأليم؛ فهي التي لا أخ لها ولا زوج، عانت ميّ وتألمت طويلًا، لكنها عادت للأدب والكتابة وانغمست فيهما مرة أخرى، ولكن جرت في نفسها الوحدة مجراها وعصفت بها شديدًا فأخذت تبتعد عن الناس شيئًا فشيئا.

 
وفي عام (1936) زارها أحد أقاربها ودعاها إلى لبنان فذهبت، ولما طلبت الرجوع لمصر رفض، فبدأت تحتج على المعاملة وأموالها التي أخذوها بعد التوكيل التي وقعت عليه وهي مريضة، فاستجلبوا طبيبًا وأودعوها مستشفى الأمراض النفسية (العصفورية)، ظلت ميّ معذبة في المستشفى سبعة أشهر فلما وصلت الأخبار للصحافة والإعلام ذهب للقائها الأديب أمين الريحاني، وقصت عليه المؤامرة الخبيثة كاملة، وبكت بكاءً شديدًا لأن الجميع تخلوا عنها وقتها غير أنّهم تمكنوا أخيرًا من نفي ما نُسب لها وخرجت مي وألقت محاضراتها، واستكملت حياتها الأدبية، إلى أن عادت إلى مصر.
 
وإذ بنقطة سوداء تسطع في حياة كل الأدباء المصريين ممن كانوا يحضرون صالونها ويزعمون حُبها تخاذلًا عن استيفاء حقها، فأين الرّافعي من مِحنتها؟ أليست هي مُلهمته في أوراق الورد والسحاب الأحمر والرسائل! أين طه وأحمد شوقي ومطران؟

 
لقد بحثتُ طويلًا محاولًا أن أجد موقفًا ينصف أيًا منهم فلم أجد إلا زيارة سريعة اختلسها العقاد قبل وفاتها، وسبق أن حاول زيارتها طه وأنطون الجميل ولكنها رفضت أن تراهم لأنهم تخلوا عنها جميعًا، ضاقت حياة مي وهزل جسدها وتدهورت صحتها فقد أقبلت على التدخين فترة، وغابت عن الوعي بالزمن والذات ودخلت إلى مستشفى المعادي بالقاهرة في إعياءٍ وإغماء في الثامن عشر من شهر أكتوبر عام (1941) ضاقت مُتنفسها وحاول الطبيب إسعافها طويلًا غير أنها أسلمت روحها لبارئها صبيحة غداه.

 

=====================================

 

المراجع 
1.المؤلفات الكاملة لمي زيادة (الجزء الأول والثانٍ) 
2.كتاب أطياف من حياة مي طاهر الطناحي.(1974) 
3.كتاب باقات من حدائق مي فاروق سعد.(1983) 
4.كتاب مي زيادة أدبية الشرق والعروبة محمد عبد الغني حسن.(1964) 
5.كتاب مي زيادة في حياتها وآثرها وداد سكاكيني.(1969) 
6.كتاب مي، حياتها وصالونها الأدبي وديع فلسطين.(1983)

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة