مي ملكاوي
مي ملكاوي
392

إيرما.. التي عصرتنا

14/9/2017

أمسك بالهاتف للاطمئنان على قريبنا الذي غادر بيته قبيل عاصفة إيرما التي ضربت فلوريدا مع زوجته وطفليه غير مدرك لما سيحصل فيما بعد، متوجهاً الى بيت قريب له في نورث كارولينا.. الحمدلله وصلوا بعد يوم متعب وسفر طويل بالسيارة وقلبهم مهموم على بيتهم وحياتهم.

 

وكالعادة مع الكم الهائل من الأخبار يتصاعد الاهتمام بمعرفة آثار العاصفة وكم الأرواح التي حصدتها وشكل الدمار الذي خلفته.. وإذ أحزن كثيراً أن جل الدمار والآثر وصل كوبا ودمرها وذهب بعشرات الأرواح من فقراء وبائين غالباً، لكنني أحمد الله أن شعباً آخر هم سكان فلوريدا كانوا أكثر حظاً بتحذيرهم وإجلائهم خارج الولاية حماية لهم.

 

ليس الأمر حظوظاً، فالكوارث الطبيعية لا تعرف التحذير لكن البشر هم من يجيدونه ويقومون به، وفي الولايات المتحدة الأمريكية يحدث أن يتمكن المسؤولون من التفكير مسبقاً بما ينبغي فعله لتجنب أكبر قدر ممكن من الكارثة قبل حلولها "هذا في حالة المعرفة بقدوم العاصفة على سبيل المثال"..

 

صورة للدمار الحادث في أحد الموانئ  بفلوريدا بعد إعصار إيرما (رويترز)


لن أبدأ بعصر الذات على إثر هذا الإعصار، إنما سألقي نظرة على طبيعة تعاملنا ونظرتنا للمصائب العالمية التي تحصل من حولنا، فعلى سبيل المثال في عالمنا العربي ندرك المصائب كلها بلا استثناء بعد حدوثها، فالفيضانات سبق وحصلت في دول عربية ودمرت بيوتاً وذهبت بأرواح أشخاص في سنوات متكررة دون أن يحثّ هذا المسؤولين لإيجاد حلول جذرية للمشكلة كإعادة تأهيل البنية التحية مثلاً لا حصراُ، والغالب أن مثل تلك المشكلة ستتكرر في سنوات قادمة في بلداننا.

 

وفي العواصف الثلجية الموسمية عندنا أيضاً تحصل كوارث إنسانية "على قدنا" لا يُحسب أيضاً لها حساب ولا يُخطط لها على مدى بعيد، فتسبب الخسائر البشرية والمادية كل مرة، وتعيد السخط وتؤكد اللاإنتماء الوطني السنوي المتكرر لدى مواطني بلاد العرب.

 

حقاً لا أريد جلد الذات من جديد، لكن بالنظر الى بورما الكارثة الإنسانية التي تحصل من سنوات وطفت على السطح الآن لأسباب سياسية واضحة، فتعاطفنا لا يعدو كونه بكائيات على التهجير والتقتيل للمسلمين الروهينجيين ثم التصفيق لدور دول كتركيا سارعت للمساعدة في حل مشكلة تدفق اللاجئين بالآلاف وتفاقم مصائبهم.

 

الأمر ذاته حدث من جديد مع عاصفة "إيرما" التي ضربت ساحل فلوريدا بعد مرورها على كوبا، فمن الجلي الواضح كيف عَصَرَنا الإعصار على مواقع التواصل الاجتماعي وكشف كما كشفت أمثلة أخرى سابقة طريقة تفكير العديد منا عن الغرب وأمريكا لمجرد عدم العيش فيها وتضخم النظرة القاصرة تجاه الطبيعة والمناخ الخاص بكل أرض واختلافها عن الأخرى، وعدم التفكير في الكوارث الطبيعية وأسبابها والتي تأخذ مجراها وتسير وفقاً لتطورات الحياة نتيجة التغيرات المناخية القوية، لكنها عندنا تنحصر بالتفريق بين "الابتلاء" و"الغضب الإلهي".

 

لا شك أن الإنسان أغلى ما نملك في بلادنا، لكن التخطيط للحفاظ عليه كـ "أغلى ما نملك" ليس من مهمات الحكومات ولا ضمن دائرة خططها السنوية والخمسية والعشرين سنوية

الأمر حقاً ابتلاء رباني وامتحان لنا لنكتشف كيف أصبحت طباعنا متجذرة في نبذ الآخر لا العكس، فحصرنا تفكيرنا في التعذيب الإلهي والذي وإن كان قد ذُكر لأقوام أخرى في القرآن الكريم فلا يمكننا نحن قول ذلك والإفتاء فيه في الكوارث الحالية، تماماً كما لا يمكن حتى للدعاة والمشايخ الذين راحوا يؤوّلون أسباب الإعصار الى كونه عقاب رباني التأكيد وتفنيد ذلك.

 

أن مثل هكذا مصائب تحصل لدينا ولكن بطرق مختلفة وبوسائل بشرية أكثر شراً وأكثر حصداً للأرواح، حتى أننا لم نفكر أنه وفي فلوريدا راح ضحية الإعصار العظيم الذي ملأ الأخبار 4 أشخاص فقط والسبب على الأرجح حوادث سير وإهمال من قبل هؤلاء لعدم الانصياع وإخلاء البلدة كما فعل الملايين قبيل الإعصار بيوم كامل كإجراء للحفاظ على أرواحهم.  

 

فلوريدا لمن لا يعرف هي ولاية يطغى على سكانها المهاجرين من أصول مكسيكية وكوبية إضافة إلى وجود كبير للعرب والمسلمين، وهي وجهة سياحية واقتصادية هامة في الولايات المتحدة الأمريكية، يعني غالبية السكان هم بين متوسطي الحال اقتصادياً وفقراء من ذوي الدخول المتدينة أيضاً.

 

لا شك أن الإنسان أغلى ما نملك في بلادنا، لكن التخطيط للحفاظ عليه كـ "أغلى ما نملك" ليس من مهمات الحكومات ولا ضمن دائرة خططها السنوية والخمسية والعشرين سنوية، وعليه فأظن أن علينا التفكير كثيراً قبل إطلاق الحكم على "إيرما" بأنها عقاب إلهي نتيجة سياسات الحكومة الأمريكية.. والتي تمكنت بذكاء وإدارة حقيقية من إنقاذ ملايين السكان.. فهل كان للعقاب الإلهي في هذه الحالة شأن آخر يا ترى؟

#يتصدر_الآن

تحت عيون الغرب.. هل هناك علاقة بين الدراسات النسوية والخطاب الاستعماري؟

تحليل التفسير الخطابي الذي تصوره النسوية الغربية عن نساء العالم الثالث يمكن اعتباره خطوة أولى نحو مشروع آن أوانه، وهو صياغة استراتيجيات نسوية مستقلة من الناحية الجغرافية والثقافية والتاريخية.

1.6 k
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة