ساري عرابي
ساري عرابي
4.6 k

إلى سلمان العودة.. السجن خير!

16/9/2017
القهر الذي يصل حدّ استعباد الناس لا يمكنه أن يوجد شخصيات سويّة وعلى قدر المسؤولية، وما يوجد بعد ذلك، فهي شخصيات طليعية نادرة؛ تتفاوت في الوعي، والتضحية، وتجاوز ما يمكن أن تتأوله النفس جزعًا أو طمعًا أو حسبة بين ما تبديه لذاتها من المصالح والمفاسد، إلى القيام بالواجب الذي تعلّق بها لشحّ المكان في صحراء القهر المجدبة.

يمكن القول إن الأمر لا يقتصر على نوعيات البشر المهترئة التي يوجدها نظام الحكم الاستعبادي، فهي في الجملة نوعيات خفيفة، وصفها القرآن بالقول "فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ"، ولكنه يشمل كل شيء حتى عالم الأفكار والأسئلة الكبرى. إن كثيرًا من الأسئلة والنقاشات الثقافية، لا معنى لها في ظل الاستعباد، إذ لا يمكن إدارة تلك النقاشات بصورة سوية، والخروج بتسويات مجتمعة في ظل هذا النوع من حكم النّاس.
والحال هذه فلا عجب، من ندرة العلماء القائمين بأمر الله؛ بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وقول الحق وتعليم الناس الخير، وذلك في الذروة من حالات الخير التي ينبغي أن يكونوا عليها، وأما في أدناها فإنهم الذين يمتنعون ما استطاعوا عن توفير الغطاء الشرعي لأوضاع القهر والاستعباد، وهم في هذه الحالة الدنيا يتفاوتون ما بين مقلّ من التأول لنفسه ومفرط، ونحن إزاءهم ما بين عاذر وراج.

والحقّ إننا اليوم لا نتحدث عن أوضاع معتدلة من الاستبداد، أو أوضاع على الرغم من مساحات القهر التي فيها فإنها تترك مساحات أخرى لاشتغال الناس في أبواب الخير، ولكنها أوضاع اليوم تنتهك كل شيء، وتمدّ سطوتها إلى ما هو خارج مجالها الجغرافي، وقد قهرت الناس في لقمة عيشهم، ونشرت البذاءة السياسية في كل منبر طالته، ودمّرت مدن الشعوب المجاورة، وحاصرت أخرى، وقتلت أحلام الناس في بلاد العرب في الانعتاق، وامتهنت الدين؛ فطمسته حيث رأت، ثم استدعته لشرعنة سلوكها الذي لا يمكن أن يقرّه وحي السماء، وبدت منها الرغبة في العدو الصهيوني، ولو على حساب فلسطين والفلسطينيين.. الخ

أيهما خير؟ السجن إذ لن تُستخدم ممسحة للقذارة، وقول وكتابة ما يرضي الخلق دون الخالق، أم أن تظلّ خارجه، ويدفعك الخوف أو الرغبة مما عند الحاكم أن تقول ما لا يرضي الله، بل أن ينحطّ بك إلى درجة الدناءة

الجزير
وهذا كلّه لأجل فرد يطمح للعرش أكثر مما هو لأجل منظومة حكم حتى!
وقد رأينا خوف الناس، ومنهم العلماء والدعاة، عن قول كلمة فيما هو شأن للمسلمين كلّهم، وفيما لا ينبغي أن يجرّ الضرر إليهم، أو يكلفهم ثمنًا، كما في الاعتداء الأخير على المسجد الأقصى، حينما امتنعوا عن نصرته، فسكتوا أو اكتفوا بدعاء لمرّة واحدة على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، ثم لما انتصر المقدسيون وحدهم، انشغل بعضهم في ردّ الفضل لحاكمهم، ولم يكن ثمة من تفسير إلا أنهم مُنعوا، أو وصل بهم الخوف مبلغه فمنعوا أنفسهم، والأمر نفسه بدا منهم مع مأساة المسلمين الروهينغا!

وإذن فالطليعيّة مكلفة، وهي دائمًا كذلك، وقد جاء في الحديث أن سيد الشهداء "رجل قائم إلى إمام جائر فأمره ونهاه وقتله"، فكيف وقد نزلت الطليعيّة إلى درجة الصمت، امتناعًا عن نصرة ذلك الذي يستعبد النّاس، مما يكشف الانتفاش الهائل الذي وصله هذا الاستعباد.

وإن كان الأمر كذلك فأيهما خير؟ السجن إذ لن تُستخدم ممسحة للقذارة، وقول وكتابة ما يرضي الخلق دون الخالق، أم أن تظلّ خارجه، ويدفعك الخوف أو الرغبة مما عند الحاكم أن تقول ما لا يرضي الله، بل أن ينحطّ بك إلى درجة الدناءة، كأن تُظهر ما يبدو رضا باعتقال إخوانك؟ أو تأييدًا مطلقًا لحاكمك في وقت يعتقل فيه زملاؤك من الدعاة والمشايخ؟

السجن قهر لا شك، وهو فتنة، وقد خبرناه، ونعرفه جيدًا، ونبغضه ولا نرجوه لا لأنفسنا ولا لأحد من الصالحين، ولكنه خير في مثل تلك الحالة، ولنتخيل لو ظلّ شخص نحبّه كالشيخ سلمان العودة خارجه، فهل كان سيتأول لنفسه، كما فعل من خلفه، وأظهر تأييدًا مطلقًا للحكام في حين أن هذا الأخير يفعل ما سردناه أعلاه؟ وهو بعض من أفعاله التي تستوجب أن يبرز له من يأمره وينهاه؟!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة