إبراهيم هلال
إبراهيم هلال
2.1 k

وسائل التواصل.. وموضة الاكتئاب

20/9/2017

في عالم أصبح فيه الافتراضي جزءًا من العالم الحقيقي، والعالم الحقيقي بات يشغل حيزا كبيرا من العالم الافتراضي، صارت حيوات الناس متقاربة ومذاعة؛ فيمكنك من خلال صفحتك على أي من وسائل التواصل الاجتماعي الافتراضية أن تقرأ أصوات كثير من الناس وتعلم ما يشعرون به وما يفضلونه وما يتابعونه. فهل الحياة فعلا تحوي هذا الكم الهائل من البشر المكتئبين والحزانى والمغدور بهم والمهمشين من مسيرة العالم والمطعونين بخنجر أوجاع الحياة، حتى صار المكتئبون طبقة بذاتها تعرف بمصالحها سواء كانت تلك المصالح جادة أو تافهة وتطالب بحقوقها في أن ينظر لهم القدر نظرة عطف، وتعادي بدورها أصحاب الحظ الوفير المتفائلين بالحياة وبالغد الأفضل.

 

كما أن لها خطابا خاصا مناقضا لخطاب التفاؤل وإكليشيهاته وقوالبه الجاهزة، فيقف هؤلاء البائسون على حافة الحقائق لا يخشون السقوط ويدعون لمن حولهم أن ينظروا ولسان حالهم: انظروا ماذا تفعل بنا الحياة؟ لم نجد أمانا ولا طمأنينة ولا عدلا، والموت ها هو يقف محدقا فينا، "فلسنا سوى رمية نرد بين مفترس وفريسة".

 

لكن ورغم هذا الجانب البائس الذي يظهره هؤلاء على العالم الافتراضي، وإذا كنت تعرف واحد منهم معرفة حقيقية، ستجده ربما يحيا حياة عادية، يبتسم أحيانا، ويضحك أحيانا، يقاوم حينا ويستسلم نهاية النهار، يعاني في الليل لكنه يركب شاحنة الحياة في الصباح الباكر، يأخذ لنفسه صورا ويستمتع بهواية أو أكلة شهية. فهل يكذب علينا هؤلاء؟ هل يظهرون التعاسة خوفا من الحسد مثلا؟ أم أن الاكتئاب والبؤس أصبحا موضة وسلعة رائجة للادعاء؟

بعد أن شوهت وسائل التواصل مفهوم الصداقة وحصرته في المتابعة والتعليق، بات الإنسان صندوقا أسودا لا يستطيع أن يظهر إنسانيته كاملة، لا يستطيع إلا أن يُصـرح بجزء صغير من نفسه، وعن وجه واحد من أوجه الإنسان

مواقع التواصل
 

 يبدو الحكم على هؤلاء البائسين واتهامهم بالكذب والادعاء تسرعا وظلما كبيرا، فبينما كان يقوم مفهوم الصداقة سابقا -وقبل ظهور العوالم الافتراضية- على تصادق شخصين، أي يعلم كل شخص بأغلب أحوال صديقه ويصدق الأخر أمام الأول بكل ما يدور في قلبه، أضحى مفهوم الصداقة الحديث -وبعد ظهور الصداقة الافتراضية- يقوم على المتابعة فقط وتبادل الآراء الجافة والإعجاب والتعليقات، فتم تفريغ مفهوم الصداقة من معناه الأصلي الحقيقي وصار صورة مشوهة من شيء كان وجوده يشكل فارقا كبيرا عند البشر.

 

وبعد أن شوهت وسائل التواصل مفهوم الصداقة وحصرته في المتابعة والتعليق، بات الإنسان صندوقا أسودا لا يستطيع أن يظهر إنسانيته كاملة، لا يستطيع إلا أن يُصـرح بجزء صغير من نفسه، وعن وجه واحد من أوجه الإنسان، وعن موقف واحد من مواقفه المركبة التي تكلفه عمرا كي يكونها ويختبرها.

 

وعلاوة على ذلك، دمرت وسائل التواصل مشاعر الإنسان الحقيقية، فالشخص الذي يتابع الأخبار وما يكتبه أصدقاؤه الافتراضيون يوميا وينفعل معه، يستهلك كما هائلا من طاقته الشعورية يوميا بين الفرح والحزن والضحك والألم والفزع والخوف، وكل ذلك في دقائق معدودة، وبشكل مجهد شديد التقلب، فيفقد الإنسان فاعليته الشعورية وتصبح مشاعره باردة، تتحرك الأحداث وصور الدماء والمذابح مختلطة بتهاني الأفراح، والأدعية، وكافة أنواع الصور والحالات الاجتماعية والنفسية، وكل ذلك يتحرك أمامه صعودا وهبوطا، فيما أصبح ذلك شيئا عاديا قلما يتأثر به.

 

تتعدد أوجه الإنسان، ورغم كل المنصات الاجتماعيةالمختلفة، ما زلت لا تستطيع التعبير الكامل عن الإنسان بصورته الحقيقية. فتبينوا قبل أن تظلموا شخصا أو تجرحوه وتتهموه بالادعاء، وقد يكون على حافة الانهيار

من هنا، وفي ظل هذا الازدحام الشديد لعرض حالات الناس الاجتماعية والنفسية، صار الإنسان يواكب الأحداث، فيكتب حالته الشعورية بما يتواكب مع الشعور السائد الذي يشعر به من متابعة خط الأحداث في صفحته، ولأن هناك فئة كبيرة فعلا من الناس حولنا مصابون بالاكتئاب، فهذا الجو الافتراضي العام يساعدهم على تقمص دور البؤس وإخراج أسوأ ما لديهم من مشاعر في تلك المساحات الافتراضية الضيقة، ولأن هذا المساحات لا تستطيع أن تعبر عن الشخص بالكامل، ولا تستطيع أن تظهر إنسانا يكتب شيئا ساخرا وهو يبكي أو ينفطر قلبه، أو إنسانا يكتب شيئا حزينا بائسا وهو يحيا حياته الروتينية، أو مستلقٍ على ظهره يفكر في النوم. وتكون تلك الأفكار ما هي إلا مشاعر قديمة مكبوتة، لأن وسائل التواصل الافتراضية لا يمكنها إظهار الإنسان بحالته المركبة وشكله الحقيقي، فيظن المتابعون الافتراضيون أن الأمر كله ادعاء أو مواكبة للموضة وطلبا للشهرة.

 

يظن الأصدقاء الافتراضيون ذلك لأنهم يرون نفس الشخص على موقع تواصل أخر بحالة مختلفة تماما، فالناس يهاجرون من موقع افتراضي لآخر وينتقلون من منصة اجتماعية لأخرى ويغيرون حالتهم النفسية بمنتهى السلاسة، فمثلا أكتب أحيانا آراء اجتماعية وسياسية وأحيانا سخرية على الفيسبوك بينما أنشر صورا متنوعة على إنستجرام، أما على تويتر فأسب حياتي وأسب من أعرفهم وأسب جميع البشر، وأحيانا أسب نفسي وألعنها، أما على تمبلر فأكتب خواطر طويلة، أحيانا أشياء خاصة، وأحيانا تدريبات على الكتابة، أما على لينكدإن فأنشر أشياء خاصة بالعمل بلغة رسمية؟

 

وهكذا تتعدد أوجه الإنسان، ورغم كل تلك المنصات المختلفة، ما زلت لا تستطيع التعبير الكامل عن الإنسان بصورته الحقيقية. فتبينوا قبل أن تظلموا شخصا أو تجرحوه وتتهموه بالادعاء، وقد يكون على حافة الانهيار ولا ينقصه إلا دفعتك التي نفذتها بمنتهى الأنانية والجهل.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة