أروى الطويل
أروى الطويل
2.6 k

التعليم المنزلي كضمانة لمواجهة الاستبداد

22/9/2017

كثيرا ما تتحدث الأمهات المعلمات منزليًا والآباء كذلك، عن أن التعليم المنزلي هو طريقة جديدة، وإبداعية، وخلاقة لتعليم الأطفال بشكل مختلف، وبشكل مثمر يبعدهم عن التأثير السلبي للقولبة وللمدارس العامة والحكومية. ورغم إيماني بكل هذا الكلام، إلا أن هذا ليس وحده السبب الذي يدفعني لتعليم ابني منزليًا، إذ أنني أعيش في تركيا وقادرة على وضعه في مدرسة مناسبة تؤهل له الحد الأدنى من الإبداع والتعلم الحر.

 

ولمن فاته الموضوع، فالتعليم المنزلي هو أن يقوم الآباء والأمهات بدور تنسيقي رئيسي في تعليم أولادهم، فهم يتولون إدارة العملية التعليمية ويقومون بصياغتها وصياغة موادها ومقوماتها وربما مناهجها أحيانًا. للموضوع جوانب كثيرة بالطبع، إلا أنني هنا لن أتحدث عن الجانب الوظيفي والأدائي للتعليم المنزلي بل لأتحدث عن نقطة فلسفية بعض الشيء،

في أي دولة تحترم نفسها يعتبرُ التعليم قضية أمن قومي، ويصبح للدولة يدٌ قوية في تشكيلِ ماهية الإنسان الناشئ وتكوينه.

 

ففي الدول التي تعتبر الأطفال ملكًا للدولة لا ملكًا لأبويهم: على سبيل المثال ألمانيا، فإن التعليم المنزلي مجرم، هذا التجريم ليس لأن التعليم المنزلي لن يقدم أفضل تعليم للطفل - العكس هو الصحيح-، بل لأن هذا النوع من التعليم يشكل تهديدًا مباشرًا في مدى تدخل سلطة الدولة في تشكيل مواطنيها، وتشكيل وعيهم بما يتفق مع قيمها ومنظورها العام، ويشكل تهديدًا مباشرًا لما ترغب السلطة أن يكون عليه الناس. في أمريكا فُتح حق اللجوء للألمان الذين يرغبون في تعليم أولادهم منزليًا ولا يستطيعون بسبب القوانين.

 

وفي الدول المفتوحة والتي شكلتها موجات من الهجرات المختلفة مثل أمريكا وكندا: وهي مجتمعات مفتوحة تمامًا على كل الأفكار مع وجود سيولة لا بأس بها في القيم والمعتقدات، تجد أن التعليم المنزلي يزدهر، يقوى ويشكل لوبيات تستطيع الدفاع عنه وسن قوانينه وتكوين مجموعات الدعم الاجتماعي والتعليمي، وتمنح الجامعات "كوتة خاصة" للمتعلمين منزليًا وهكذا يصبح لكل أب وأم خيارات متعددة في كيف يعلمون أطفالهم وماذا يتعلم أطفالهم وبأي طريقة ومنهجية وأسلوب وروح.

 

أما في مصر مثلًا والدول العربية : ولأن نظامنا "سبهللة" فتجد أن خريجينا يسودهم قيم "الفهلوة" و"الشطارة" مع ندرة قادرة على أن تكون الاستثناء، ولا يتحقق هذا الاستثناء إلا بتعليم مختلف مُرر إليهم بطريقة أو بأخرى، سواء كان عن طريق الآباء أو المسجد أو المجموعات والمبادرات الاجتماعية الأخرى. فتجد أن خريجي مدارس الراهبات يتسمون بنمط مختلف عن خريجي المدارس الحكومية، وخريجي المدارس الدولية مختلفون تمامًا عن خريجي المدارس المحلية ولكنها خاصة، يمكنك أن ترى ما يشبه الرابط الخفي بين كل مجموعة ومجموعة.

 

المناهج المخفية وهي ما تعرف بأنها القيم، والدروس ووجهات النظر، غير الرسمية وغير المكتوبة وغير المقصودة والتي يتعلمها الأطفال من خلال تعلمهم في المدارس العامة

بكساباي
  

الأمر لا يتعلق بالقيم وحدها، بل يمكننا أن نقول أنه يتعلق بالروح التي تم بثها من خلال المقررات التعليمية لهؤلاء الطلبة.. وهكذا لا نمط بل مجموعات من الأنماط والطبقات التي تنفصل عن المجتمع حتى لم يبق هناك أي نسيج اجتماعي، يعزز هذا الأمر بالطبع الفساد والظلم والاستبداد البالغ، فيصبح التنافس لا على التعليم بل الطفو على سطح المجتمع مع الطبقات العالية "الناجية" بطبيعة الحال.

 

السر هنا ليس في التعليم كتعليم -أي كتعليم القراءة والكتابة والحساب- بل فيما يسمى "core values" أي القيم الحاكمة، وهو ما يتعلمه الأطفال وبشكل رئيسي من خلال المناهج الخفية "the Hidden Curriculum"، والمناهج الخفية ليست نظرية المؤامرة بالطبع بل هي مناهج معروفة ومخططة مسبقًا ويمكنكم عمل بحث وبشكل علمي عنها عن طريق محركات البحث.

 

المناهج المخفية وهي ما تعرف بأنها القيم، والدروس ووجهات النظر، غير الرسمية وغير المكتوبة وغير المقصودة والتي يتعلمها الأطفال من خلال تعلمهم في المدارس العامة، المناهج الخفية قد تكون إيجابية أو سلبية -هذا ما تحدده نظرتك وفلسفتك في الحياة- فهي تعلم الطالب كيف يتعامل مع زملائه الآخرين، كيف يندمج، كيف يحصل على الاحترام، كيف يكون آمنًا.

 

رغم الضعف والألم، إلا أننا نمتلك شيئًا وحيدًا وهو قدرتنا على أن نشكل وعي أطفالنا وعقولهم، رغم المشقة ورغم التعب ورغم الإرهاق ورغم التكلفة المادية، فإنا قادرون أن نحمي عقولهم وأرواحهم من أن يكون للاستبداد سلطة عليها

هكذا تصور كامل عن الحياة والدنيا والدين والنفس والآخر، وقد يقول البعض أن هذا يعني أن علينا أن نختار مدرسة جيدة ب "Hidden Curriculum" مناسبة لقيمنا ومعتقداتنا، وبالنسبة لي هذا مستحيل، فإن كنت في بلد عربي أو أجنبي فستواجه مشكلة التغريب، والثقافة وسؤلات الهوية والذات، وإن كنت في بلد عربي فستواجه مشكلة الاستبداد والبلطجة والسلطة المتغولة علينا وعلى أطفالنا وثقافتنا، ستواجه مشكلة الدين وقيمه الحقيقية، هل هو دين الدولة؟ أم دين الله؟

هل نوافق السلطة على ما تقول؟ أم نقف وحدنا لنقول ما نعتقد ونتلقى ما يليق بنا من عقاب؟ 

 

نحن لا نمتلك المال ولا الإعلام، وليس لدينا لوبيات لديها القدرة على تحريك القضايا والملايين من الناس في صالحها، بل ربما نكون قد خرجنا من ثوراتنا وحروبنا مهشمين تمامًا ومحطمين، بلا زاد ولا قدرة على الحبو فضلًا عن المشي منتصبين كما يليق بنا، نحن لا نمتلك أي قوة حقيقية اللهم قوة أن هذه الفكرة حق، الحرية حق والوحدانية حق.

 

ورغم الضعف والهزال والألم، إلا أننا نمتلك شيئًا وحيدًا وهو قدرتنا على أن نشكل وعي أطفالنا وعقولهم، رغم المشقة ورغم التعب ورغم الإرهاق ورغم التكلفة المادية، فإنا قادرون أن نحمي عقولهم وأرواحهم من أن يكون للاستبداد سلطة عليها، أن نحميهم من أي قيمة كاذبة تتحول إلى وحش يقتات على حريتهم وقيمتهم الإنسانية. الأمر يشبه ضربات جناحي فراشة، لا يُرى ..ولكنه بالتأكيد ذو أثر كبير ..قد لا نراه في حياتنا ولكن معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون.

 

بالنسبة لي لا يشكل التعليم المنزلي خيارًا من خيارات متعددة- رغم أني أقول ذلك للمتابعين والناس- بل يتحول التعليم المنزلي لطريق للخلاص، وأسلوب للنجاة، لكي لا يرى ابني ما رأيته، ولكي لا يذوق طعم الهزيمة، لكي يرى العالم من منظور أظنه أفضل وأكثر حقيقية وأكثر حقًا وعدلاً، كي يرى الإسلام كما أراه، ويتعلم العربية ويتذوقها ويشعر بها في أعماق قلبه، ولا يشعر بالعار إن تحدث بها أو طرب لها، التعليم المنزلي يشكل لي طريقًا لتخليص ابني من الاستبداد والظلم الذي رأته عيناي متمثلًا حتى صار حقيقة في حياتي، وتغول عليّ حتى هزمني وأضناني.

 

ولعلك يا ولدي لا تضل ولا تشقى ولا تحزن ..بل تجاهد وتسعى، ولنهدينهم سبلنا ..يا رب

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة