إسراء لافي
إسراء لافي
1 k

من عز الدين القسام إلى محمد مهدي عاكف

24/9/2017

بين رجل لكل الغزاة وسجين لكل العصور، تُروى حكاية رجلين عربييْن، سوري ومصري، كانت فلسطين محطة مشرقة في حياتهما، كما كانا لها سراجًا منيرًا في الحياة والممات. بين عز الدين القسام المجاهد السوري الذي قاتل الاحتلال الفرنسي في سوريا ثم الاحتلال البريطاني في فلسطين التي ختم فيها حياته شهيدًا مقبلًا غير مدبر، ومحمد مهدي عاكف المصري الذي قاتل الاحتلال الإسرائيلي، ثم قاتل الإنجليز في حرب القناة، ليبتدئ حياته مجاهدًا على أرض فلسطين في عام النكبة والتشريد، ثم أسيرًا في عصر كل طاغية مستبد حكم مصر بالنار والحديد، حتى انقضى العمر خلف القضبان أسيرًا، ثابتًا، وكلاهما قضى في المواجهة، لم يحد، ولم يُبدل، ولم يقفل إلى بيته يطوي الجبن والخور، ولم يرفع راية استسلام رغم كثرة الأعداء.


أما السجن فلطالما كان تدبر حياة أسير فلسطيني قضى بعضًا من عمره خلف قضبان الأسر صعبًا وعصيًا على الاحتمال، يكتنفه عشرات التساؤلات، فنستحضر نماذج كالشيخ حسن يوسف، والشيخ محمد أبو طير، ونائل البرغوثي، وغيرهم كثير ممن خرجوا، وممن لا زالوا خلف القضبان؛ فكيف برجل عربي يُسجن في بلاده 27 سنة ضمن صراع الحريات والمظالم؟! ويبقى ثابت الخطى، وفيًا لطريق عرفها في الثانية عشرة من عمره، هذه البطولات التي لا تحضر في غمرة الانغماس بهمومنا المحلية أكثر فأكثر.

تخيل معي رجلًا في الثمانين يتذكر كلمات قياداته حين كان في العشرين من العمر، ويتمثلها دروسًا في الحياة،هو ابن الدعوة، حي الفؤاد لا يمل تذكير نفسه بما هي عليه وبما يجب عليها نحو بارئها

قد يكون حمل السلاح بطولة، والثبات في السجن بطولة، ولكن أيضًا مواجهة الواقع بطولة، والوقوف في وجه الطاغية بطولة، ومحاولة تغيير المجتمع بطولة، هذه بطولات كان فارسها رجل في السبعين يقود جماعة إلى النور الذي لا حياة لها بدونه رغم عقود التضييق والملاحقة والقتل، محاولة تستحق، وانسجام مع مبادئ ما كان لها أن تُختبر في الظلام.


ثم تخيل معي رجلًا في الثمانين يتذكر كلمات قياداته حين كان في العشرين من العمر، ويتمثلها دروسًا في الحياة، لو أن العمل الإداري نحت من روحه لفقد معالم هذه التربية منذ زمن بعيد، ولكن ابن الدعوة، حي الفؤاد لا يمل تذكير نفسه بما هي عليه، وبما يجب عليها نحو بارئها، وأخوة الطريق، والأهل، والوطن، حتى لا يضل، ولا يظلم، ويعود كلما جنحت روحه لفترة أو كسل أو حزن أو خصومة، ليجدد القلب بما يبقيه قويًا سليمًا قادرًا على تجاوز المحن، من الإشاعات إلى التهديد إلى الأسر أو القتل.


في إشراقة الغياب عن وجه حياتنا الفانية إلى دار الخلود، يغدو المهم ما نستلهمه من حياة الرجل، فهو عمر دعوة شاهدًا على ثمانية عقود منها، خلع على الحياة من روحه حتى فاضت عيون في كل مكان حَزنًا على فراقه، وتعاطف المئات من جيل الشباب الصاعد الذي لا يعرف عاكفًا ولا البنا ولا الهضيبي ولا بديع، ويعاني شبه قطيعة مع فكر الدعوة ورجالاتها وظروفها، وهو بأمسّ الحاجة ليعود ويدرسها ويستلهم منها ومن النماذج المحلية ما يعينه على تجاوز محن ليست إلا انعكاسًا لمحن سابقة واجهها الرجال الأولون بصلابة العقيدة، ودقة الفهم، والثقافة، والعمل المتجدد، وتركوا الزبَد لألوف سواهم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة