حسين سعد الدين
حسين سعد الدين
1.4 k

مهزلة الموسيقى.. إلى متى؟!

24/9/2017

راودتني نفسِي مُنذُ فترةٍ طويلةٍ أنْ أتكلمَ في هذا الموضوعِ الذي كَثُرَ فِيه اللّغطُ والغَلط، ولكنّي آثرتُ الصمتَ على الكلام، والإِحجامَ على الإقدام، وكففتُ نفسي عن الخوضِ مع الخائضين، إلى أنْ قام أحدُ الإِخوة من المدوّنيين بالتّكلمِ عن هذا الموضوع، وحين قمتُ بقراءة التدوينة وتعليقات القرّاء عليها عَزَبَ عنّي الصبر، ورأيتُ أنّه عليّ أنْ أتكلمَ وأُبيّن خُلاصةَ هذا الموضوع الشائك.

قرّرَ عُلماءُ الشّريعةِ أنّ الأصلَ في الأشياء الإباحة استنادا إلى الآيات والأحاديث الكثيرة في هذا الباب، يقول الإمام الشّافعيّ -رحمه الله-: (الحرامُ ما دلّ الدّليل على تحريمه)، وهذا في غير باب العبادات لأنّها توقيفيّةٌ من عِند الله، وعلى هذا يظهرُ لنا أنّ مَن يقولُ بجواز المعازف أو "الموسيقى" لا يُطالَبُ بدليلٍ على ذلكَ لأنّه باقٍ على الأصل في الإباحة، وإنّما يُطالَبُ بالدّليل مَن يقولُ بالتّحريم لأنّه خالف الأصل.

وقدْ استدلّ من قالَ بالتّحريم بعددٍ مِن الأدلّة، ولنْ أقومَ بنقاشِ هذه الأدلّة؛ لأنّ جُلّ الذين يقرَأُون هذه التدوينات ليسُوا مِن المتخصّصين في العُلوم الشّرعيّة، فليس ثمتَ داعٍ لإدخالهم في تفاصيلِ الخلافات العلميّة، وفضلاً على ذلكَ أنّ مثلَ هكذا نقاش لنْ يكفيَهُ عشرُ تدوينات، ويكفيك أنْ تعرف أنّ هذا الموضوع كُتِبَ فيه عشراتُ الكُتب والرّسائل العلميّة بينَ مُحرِّمٍ ومُبيحٍ، وردِّ كُلٍّ مُنهما على الآخر، ما يعني أنّه سيأتي شخصٌ آخر ويردّ عليّ كلامي، وسَأُعاودُ الردّ عليهِ ولنْ ننتهي.

إذا رأيتَ واقتنعتَ أنّ الموسيقى محرّمةٌ فببساطةٍ لا تستمعْ لها، ولكنْ لا تُنكِر وتُثرّب على مَن يرى جوازها، وتذكّر دائماً أنّ هذه المسألة ليستْ مِن أصولِ الدّين، وأقصى ما يُقال فيها أنّها مِن الأُمور المُشْتَبِهة

مواقع التواصل 


خُلاصةُ هذه المسألة أنّها مِن المَسائل الخلافيّة "ولا إنكار في مسائل الخلاف"، ورأيُ جُمهور العُلماء أنّها مُحرّمة، وذهبَ طائفةٌ منهم بأنّها مُباحة، وليس رأي الجُمهور بحجّةٍ بحدّ ذاته، فكمْ مِن مسألةٍ كان الحقّ فيها مع القِلّة، وليسَ في المسألة إجماعٌ كما زعمَ بعضُ العُلماء، ولا بُدّ مِن التّفريق بين دعوى الإجماع وبين وقوع الإجماع بين العُلماء حقاً، فكم مِن مسألةٍ ادُّعِيَ فيها الإجماع وليسَ ثمّتَ إجماعٌ فيها، بل أحياناً يكون الإجماعُ على خِلافها، وكيف يكونُ هناك إجماعٌ على حُرمة المعازف وقد قال بجوازها عشراتٌ من الأئمة الكبار؟! ولنْ أذكُرَ أسماءهم فقط للاختصار.

ولا بُدّ مِن التّنويه والإشارة إلى أنّ مَن يقولُ بجواز الموسيقى لا يقصد جواز أمثال "الفيديو كليب" أو ما كان على شاكلته، القائم على عرض الأجساد، وإثارة الغرائز والشّهوات، والمليء بالألفاظ الخادشة، وغيرها من الأُمور المُستقذرة طبعاً، والتي لا يشكّ عاقلٌ في تحريمها، فضلاً عن عالم، ولكن يَقصدُ جواز الموسيقى المجرّدة. 

وحين يُصاحب الموسيقى شيءٌ ما تأخذُ حُكْمَهُ، فإنْ صاحبتْ مُحرّماً حُرّمَتْ، لا لأنّها مُحرّمةٌ في ذاتها، وإنّما لارتباطها بمُحرّم، سواء أكان ذلك كلاماً مُحرّماً أو فاحِشاً أو اختلاطاً مُحرّماً أو مُعاقرةً للخمور أو غيرها، وأمّا إنْ ارتبطتْ بمباحٍ من قول أو عمل فتكون الموسيقى مثلهما.

لا بُدّ أنْ تتسع صدورُنا لمثل هذه الاختلافات التي هي محلّ نظرٍ واجتهادٍ من قِبل العلماء، ولا سيّما أنّها لا تتعدّى كونَها مسألةً فِقهيةً فرعيّة. وعجبي لا ينتهي ممّن يَشْتُمُ مُخالفيه ويتّهِمُهم بالهوى، وبأنّهم مطموسٌ على بصيرتهم، لأجلِ اختلافٍ كهذا، وأفضلُ مقال يصدُق على هذا الحال كلام ابن سينا حيث قال: (بُلينا بقومٍ يظنّون أنّ اللهَ لمْ يهدِ سِواهم)، والمُصيبةُ الكُبرى حين يَصِلُ الحال ببعضهم إلى التّكفير على مسألةٍ كهذه! 

إذا رأيتَ واقتنعتَ أنّ الموسيقى محرّمةٌ فببساطةٍ لا تستمعْ لها، ولكنْ لا تُنكِر وتُثرّب على مَن يرى جوازها، وتذكّر دائماً أنّ هذه المسألة ليستْ مِن أصولِ الدّين، ولا مِن ثوابتْ الإسلام، وليستْ مِن القطعيّاتْ، وأقصى ما يُقال فيها أنّها مِن الأُمور المُشْتَبِهة، والتي يكونُ تركُها مِن باب الوَرع لا من باب الوجوب.

إلى متى سنبقى نُجادل في هذه المسائل، ومتى سيحين الوقتُ لكي نترفّع عن سفاسف الأُمور، ونعطي كلّ موضوعٍ حجمه الحقيقي، ومتى نُعالج قضايانا الكُبرى التي تُمزّق المسلمين في كلّ مكانٍ وزمان؟!

وشرّ البليّةِ حين يقوم الشّخصُ بِالحُكم اعتمادًا على الشّعور الداخليّ لديه فيقول: (استمعتُ إلى الموسيقى فلمْ أرتحْ لها وشعرتُ بضيقٍ، وعلى هذا فالموسيقى سيّئة!)، وغَفِلَ عن أنّ هناك أشخاصاً آخرين يستمتعون بالاستماع إلى الموسيقى، فما الذي يعنيه ذلك؟! ببساطة إنّه لا يعني أيّ شيء، فيمكنُ تفسير الشّعور بالضيق حين سماعك للموسيقى بالكثير مِن الأمور، فمِن المُمكن أنْ يكون نوع الموسيقى حزين فمن الطبيعي أن تشعر بالحُزن والضّيق، أو يكون سبب ذلك تأنيب الضّمير الذي تشعرُ به، لكونك لا تستطيع الاقتناع بأنّها يُمكن أنْ تكون جائزة، ولا سيّما إذا كنتَ قد تربيتَ على أنها محرّمةٌ مُنذ نُعومة أظفارك، فنشأ عندك هذا الأمر في داخلك إلى أن أصبح أشبه بالعقيدة، فأنّى لك أنْ تتخلّى عنها؟!

لماذا نُحجّر واسعاً ونُضيّق رحباً في شيء لم تَقُمْ الشّريعةُ بحسمه، وتركتْ المجال فيه قائماً للأنظار والفُهوم المختلفة، ولماذا نتعصّب لآرائنا ونتكلم وكأنّنا استحوذنا على الحقّ المُطلق، أو كأنّنا نتكلمُ بلسان الإله هذا حلالٌ وهذا حرام!

إلى متى سنبقى نُجادل في هذه المسائل، ومتى سيحين الوقتُ لكي نترفّع عن سفاسف الأُمور، ونعطي كلّ موضوعٍ حجمه الحقيقي، ومتى نُعالج قضايانا الكُبرى التي تُمزّق المسلمين في كلّ مكانٍ وزمان؟! أمَا آن الأوان لنتقدم إلى الأمام، ونُسلّطَ الضوءَ على ما هو أكثرُ أهميّةً مِن حُكم الموسيقى؟! وأخيرًا "دعونا نتعاون فيما اتفقنا عليه ويعذر بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه".

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

706
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة