مصطفى اعليوي
مصطفى اعليوي
292

الجامعة المغربية وصناعة النخبة.. إلى متى؟

25/9/2017
كيف لنا أن نرقى إلى جامعات مؤهلة تعمل على تجاوز نظام التلقي المحدود والسلبي الذي شكل الأساس في جامعتنا وننتقل من منطق التدريس الآلي المستهَلك والكابح للعقل والتفكير والمنحصِر في تعلًم معارف واختبار الطالب فيها، إلى منطق التكوين والتأطير وتحرير العقل الذي يُنمي الطاقة الذاتية ويساهم في خلق كيانات مثقفة وقادرة على الإنتاج والمشاركة في بناء الأسس لكل المجالات؟ كيف لنا أن نجعل من الجامعة بابا مفتوحاً ومنفتحا ومرصداً للتقدم العلمي والتقني وقِبلة للباحثين ومختبراً للاكتشاف والإبداع العلمي؟َ

لا يسعني في هذا المقال أن أجيب بتدقيق عن هذه الأسئلة بل سأكتفي بإبراز بعض نِقط ذات الصلة لأن الموضوع زئبقي وشاسع، وأُشخِصه في أسطر معدودة لا تتعدى عدد الأنامل ولا حركة العوامل، لأنه يتطلب أكثر من ذلك، يتطلب دراسات معمقة وأطاريح مُقَارنة، موضوع يهم فئة كبيرة من أفراد المجتمع التي تشكل الرأس المال اللامادي الأول لتأطير فئات أخرى من مكونات المجتمع.

يعتبر البحث العلمي وسيلة لتحسين المعارف والمهارات الضرورية للنماء والتطور وصُنعِ نساءٍ ورجالاتٍ مختارة لها من القدرات ما لها وما يميزها عن غيرها، ويعدُ البحث العلمي في كل دولة على حدة استثماراً ناجحاً ومضموناً لمستقبل الفرد أولا والذي ينعكس على الدولة ايجابياً ثانيا، ويفرض النظام التعليمي باعتباره المُحرك الأساسي والقلبَ النابض للدولة نفسه كأول ما يجب أن ينسجم ويواكب ظروف ومتطلبات الحياة، لذلك كان من اللازم أن يكون الجزء الأساسي للمنظومة التربوية - التعليم العالي- هو من بين أولَى القطاعات الحيوية والمنتجة التي يجب أن تُولى لها الأهمية المطلوبة لتحقيق الغاية المرجوة وصناعة النخبة، نعم نُخبة، فمن تكون هذه النخبة؟

لا تنحصر مهمة المفكرين الجامعيين في تكوين المختصين والتقنيين بل يجب أن يعملوا على خلق كيانات مثقفة وجذرية قادرة على مواجهة المجتمع وتعلم النقد والتدرب على استعمال العقل استعمالا نقديا يهدف إلى التحرر

مواقع التواصل
مفهوم النخبة يعتبر من المصطلحات التي يُعنى بها علم الاجتماع السياسي، ويقصد بها طبقة أو أقلية من الصفوة المختارة من أفراد المجتمع، تتمتع بمؤهلات وقدراتٍ طبيعية أو مكتسبة، وقد عرفها "باريتو" بأنها مجموع الناس الذين يُظهِرون صفاتٍ استثنائية ويثبتون تمتعهم بكفاءات عالية في بعض المجالات أو بعض النشاطات، والأمر هنا يتعلق بمجموعة من الأفراد يملِكون أقصى ما يمكن امتلاكه من قيمة معينة. تشكل الجامعة الخلية المشروعة لصناعة نُخَبٍ قادرة على التأقلم مع التطورات التي يعرفها المجتمع من جهة واتخاذ القرارات الصائبة من جهة أخرى، وقد كان للجامعة المغربية في زمن ليس بالبعيد دور مهم في تكوين وخلقِ فئة قادرة على الإنتاج الحقيقي المُؤسَس على إبراز الذات والمساهمة في اتخاذ القرار إلا لم تكن المنفردة بها بأسُسٍ ومحدِدات موضوعية.

إن التوق إلى زمن الأوج في تاريخ الجامعة المغربية التي أنجبت في الماضي القريب علماء ومفكرين أفذاذا في حقول معرفية شتى، يجعلنا نحِنُ إلى جامعة الأمس بأطرها الأكفاء وطلبتها ذوي الهمام العالية .إلا أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن ذو الصلة هل المشكل في مُلقِي اليوم، أم المُتلقِي؟ أم أن المشكل أكبر من ذاك وذلك ولا دخل لأي منهما، والإفصاح بأنهما ضحيتا الدولة التي أرادت وأنتجت نخبة فاشلة أو معظمها لا تقوى على مواجهتها أو بالأحرى لا تستطيع لأنها لا تعلم، أو تعلم ما لا يُمَكِنُها من مواجهتها لِضُعف معارفها التقنية من زاوية ومحدودية الآليات التي تُميزها عن غيرها من زاوية أخرى. فأصبح المُلقي أسير مُقررٍ ومنهجٍ ومُتلقي حريص على مقررٍ للتفوق في الاختبار، أي تفوق هذا؟ تفوق محدد مسبقاً.

هل نحن واعون بمسؤوليتنا في مقاومة الداء الذي ينخر الجامعة المغربية؟ وهل نحن قادرون على رتق هذا الثقب؟ أليس من حقنا أن نَنعَم بجامعات مغربية تتبوأ مكانة تليق بها ضمن كُبريات الجامعات
يقول يورغن هابرماس في ما هو متعلق بالمُلقي- الأساتذة الجامعيين- "لا تنحصر مهمة المفكرين الجامعيين في تكوين المختصين والتقنيين بل يجب أن يعملوا على خلق كيانات مثقفة وجذرية قادرة على مواجهة المجتمع وتعلم النقد والتدرب على استعمال العقل استعمالا نقديا يهدف إلى التحرر من بوتقة السلطة.

لا يُراد بما تقدم اتهام الجامعة بالعُقم أو بالولادة المُشوهة علميا وعقليا، وإنما لإزاحة لِثام حجب النور عنها مما جعلها تتهاود وتصطدم فيما بينها، لأن رؤيتها لا تتجاوز حدود قدميها، وهذا يدفعنا إلى طرح تساؤل آخر يحزُ في النفس عن الأفاق المستقبلية للجامعة وعن صناعة نخبة حقيقية لا مجرد تفريخ إن صح القول خيرجيين منقادين آليين يُردِدِون ما تلقوا في مدرجات الجامعة المنمطة. فلا بد من البدء في تشريحها والاستعداد لاختيار الدواء الشافي الكافي ووضعه على الداء، هذا الداء الذي تفشى وساح وتَغول وأبقى على الجامعة جسد بلا روح أو مؤسسة بدون وظائف منحصرة في تخريج أطر لا كفاءة لها.

ومن صور الداء الأخرى أن الدولة لم تحسم بعد في مسألة لغة التعليم، فعِوض أن يتم تناولها من الناحية البراغماتية بدأت تأخذ يوما بعد يوم أبعادا إيديولوجية، ولا يخفى عليكم معاناة الطلبة مع اللغات الأجنبية حينما يلتحقون بالمدارس العليا لإن مسارهم اللغوي في المراحل الأولية شيء وفي مرحلة التحصيل الجامعي شيء أخر. أما التحجج بتعلم اللغة الإنجليزية أو الفرنسية أو حتى الصينية فهي أمر في غاية الأهمية لكن وجب أن تكون لها رؤى مُسطرة للانطلاق بلغتنا أولاً ثم التعلم والانفتاح على لغات أخرى ثانيا.

فهل نحن واعون بمسؤوليتنا في رصد ومقاومة الداء الذي ينخر ويفتك الجامعة المغربية؟ وهل نحن قادرون على رتق هذا الثقب؟ أليس من حقنا أن نَنعَم يوما ما بجامعات مغربية تتبوأ المكانة التي تليق بها ضمن كُبريات الجامعات العالمية أو على الأقل خَلق نُخبة الأمس التي أنتجت وأبدعت وتركت لمستها؟ أما أننا سنبقى مُجدين في التلقي في مرحلة وجب أن يكون طلبتنا مستقلين متحررين منتجين؟ مما ينعكس إيجاباً على مجتمعنا عامة وجامعتنا خاصة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة