خولة شنوف
خولة شنوف
13.2 k

عاشوراء.. بين فرح السنة وحزن الشيعة

19/9/2018

يحظى يومُ عاشوراءَ بمكانةٍ خاصةٍ عندَ المسلمين، على اختلافِ مِلَلهم وطوائفهم. اليومُ الذي قالَ عنه الرسول صلّى الله عليه وسلم، عندما قَدِم إلى المدينةِ ورأى يهودَها يصومونه: "أنا أحقُّ بموسى منكم". فصَامَهُ بعدها وأمرنا بصيامِه. في دلالةٍ على عظمةِ هذا اليوم الذي نجى اللهُ فيهِ سيدنا موسى عليه السلام وقومَه، وأغرقَ فرعون ومَن معه.

 

مازالَ ذلكَ المشهدُ من روايةٍ قرأتُها منذُ زمن، يدورُ في خَلدي كلَّما أتتْ ذكرى عاشوراء. الرواية التي تدورُ أحداثُها حولَ شابٍ "سنيّ"، ارتبطَ بفتاةٍ "شيعية"، بعد قصةِ حبٍّ طويلة. حاولا فيها أن يتجاوزا كلَّ ما لهُ علاقةٌ بالتفرقةِ والطائفية، راغبينَ في أنْ تكونَ قصتهما نموذجًا يُضرَبَ بهِ المثل على انتصارِ الحب، حتى لو كانَ حبًّا مختلفًا كما يرونه.

 

ما إِنْ أتى يومُ عاشوراء؛ حتى قامَ بطلُ الرواية وبُحسنِ نية، بإهدائها وعائلتَها طبقًا من الحلوى، اعتادتْ والدتُه في مثلِ هذا اليوم مِن كلّ عامٍ على تجهيزِهِ وتقديمِه للأهل والأصدقاء. وتناولِه في جوٍّ مليءٍ بالأُلفة والحب، احتفالا منهم بنجاةِ سيدنا موسى من فرعون. لتقابلَ عائلةُ مخطوبتهِ الهديةَ بغضبٍ وحزنٍ شديديْن، وكأنّ مَن يقومُ بتقديمِ الهدايا في مثلِ هذا اليوم الحزين، إنّما يكونُ من بابِ التشفّي والشّماتة ليسَ إلاَّ.

 

ونحنُ في ذكرى عاشوراءَ المباركة، دفعني هذا المشهدُ للتّساؤل:

يقوم الشيعة بمسيراتٍ لا تخلو مِنْ جلدِ الذات والتي تكون نهايتُها عادةً سيولا من الدماء في صورةٍ مُبالغة لإظهار النّدم والحزن على الحسين عليه السلام

رويترز


كيف لنا كمسلمين، أنْ نعيشَ شعوريْن متناقضيْن في يومٍ واحد، يوم نُجمِعُ جميعُنا على أنّه يومٌ مبارك، ذو مكانةٍ خاصةٍ عند كليْنا. عاشوراء الذي يمثلُ يومَ فرحٍ للسُّنة؛ لأنّه اليومُ الذي نجا فيه سيدنا موسى عليه السلام مع قومه، من فرعونَ وجنوده، نستقبلهُ بالصيام وقراءةِ القرآن والاستغفار. في حين تقومُ بعضُ العائلات بصنعِ حلوى أو "طبقٍ شعبيّ" من وحي المناسبة، كلٌّ بحسبِ عاداتِ وتقاليدِ المكان الذي أتى منه، والوطنِ الذي يعيشُ فيه. هذا اليوم، يستقبله الشيعةُ بحزنٍ ونحيب، لأنّه اليومُ الذي قُتل فيهِ الإمامُ الحسين بن عليّ عليه السلام، حفيد سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم.

 

ما بين بكاءٍ ونحيب، وإقامةِ مجالسَ للعزاء في فقدانه، والتغنّي بسيرتِه، وبينَ ارتداءٍ للسّواد وملازمةٍ للحسينيات، والحج إلى "كربلاء". وما بينَ القيامِ بمسيراتٍ لا تخلو مِنْ جلدِ الذات والتي تكون نهايتُها عادةً سيولا من الدماء في صورةٍ مُبالغة لإظهار النّدم والحزن على الحسين عليه السلام، تغدو الصورة أكثرَ جدلا!

 

فإنْ كانَ فضلُ هذا اليومِ كبيرًا إلاَّ أنَّ الصُّدفةَ، جعلتْهُ يجتمعُ بذكرى مؤلمةٍ، تتمثل باستشهادِ الحسين عليه السلام، الحسين الذي لم يخرجْ نصرةً لطائفةٍ معيّنة، ولم تقُم ثورتُه على قتلِ كلّ بريءٍ في الأرض، الحسين الذي كانَ يؤمنُ بالثورة كقضية، وبالحقّ كقيمة، بعضٌ من أتباعه اليوم اتّخذوا اسمهُ صولجانًا لا يرمزُ لأحدٍ سواهم، واحتكروا ثورتَه ونسبوها لهم، وعاثوا في أرضِ الشّام قتلا وتشريدًا، ولو أنَّ الحسين خرجَ علينا اليوم من قبره لتمنّى أنْ يعودَ به الزمان إلى الوراء، ويقف مُحايدًا على أنْ يتَّخذ أتباعُه اسمَه ذريعةً لقتلِ أشقائهم، وإثارةِ الفتنة. ولبكِيَ مِنْ هولِ ما حدث، وهو يشاهدهم يرفعونَ الرايات السّوداء والصّفراء وينادون: "لبّيك يا حسين"!

 

إلاَّ أنّنا نحن -المنكوبينَ في الأرض- المستضعفينَ عليها، مَن نرى في الثورةِ ضرورةً لا خيارا، ونؤمنُ بأنَّ للشُّعوبِ دائمًا، الكلمة الأخيرة. نستشعرُ هذهِ المناسبةَ بمنحًى آخر، باعتبارِ كان سيدنا الحسين رمزًا للنضال ضد الظلم والطغيان، وخروج سيدنا موسى وقومِه لمواجهة الطاغية فرعون، ما كانَ إلاَّ ثورةً ضد الظلم أيضًا، فنجدُ بأنّ مسيرةَ الحق طويلةٌ مهما كانَ حجمُ الاستبدادِ والظلم، وأنّ لكلّ ظالمٍ نهاية، ولكلّ جبّارٍ خاتمةٌ تليقُ بجبروته، وأنّه مهما كانَ الطاغيةُ يعيشُ دور المتوهّم بأنّه: "ربنا الأعلى"، سيأتي اليومُ الذي يكتشفُ فيه أنّه كانَ مخدوعًا بنفسه، فَ "لا يضلُّ ربّي ولا ينسى" ولا يضيعُ حقٌّ وراءَهُ مُطالب. 

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة