لبابة عبد الناصر حليمة
لبابة عبد الناصر حليمة
967

عن فيلم الصرخة المكتومة.. ونساء سوريا المكلومة!

1/1/2018

لفحاتُ جهنم التي تكادُ تخنقُ أنفاسك، تنهي حياتك، تقضي على آمالك، تشعر بها تقبض على عنقك بكل ما أوتيت من قوة. تدفعُها لكنها شبح إنسانيتك المهدور في ساحات "الصرخة المكتومة" الذي سيُلاحقنا في حياتنا وحتى مماتنا إن لم ننتصر لصاحبات "الصرخات المخنوقة". أين أدعياء الحقوق الأنثوية وأصحاب شعارات الانتصار للمرأة؟ كل تلك الحملات الجوفاء تتساقط خذلاناً مريراً قاتماً بكل حقد على المرأة الشامية، لقد سقط برقع الحياء وبان ما تحت القناع، كلٌ في شغل عن المرأة السورية، بل الأصح كلٌ مع تقاطعات مصالحه، وسياساته الخاصة التي تُلغي أخلاقياته وتنعي إنسانيته في موكب الخذلان والخيبة. الفيلم الوثائقي "الصرخة المكتومة" الذي يروي عذابات نساء سوريات تعرّضن لأقسى ما يمكن أن تتعرض له الأنثى من انتهاك لشرفها وطعن لأنوثتها ودفن لبقايا أحلامها الكائنة خارج القضبان.


أما داخل زنازين جهنم، فهي رقم من الأرقام التائهة في غياهب الظلم الذي لا يخطر على بال، ولا يمكن أن تلخصه بضع كلمات وكليمات. المؤلم أن الشعارات الجوفاء التي تُرفع في جميع أصقاع الأرض لنصرة المرأة وحقوقها تتساقط أمام ذلك السجان بخذلان مهيب، ليخبرنا أن لا قانون ولا تشريع سوى الطبيعة الحيوانية الغلابة على أشباه البشر إذا ما امتلكوا سلطة على الضعفاء، لا بل أشنع على النساء، أشباه الرجال ولا رجال، القضية التي استنهضت خنساوات سورية وأبت أن تنطفئ حتى في أصواتهم المكسورة اليوم، فدفعت من أجلها أمهات الشام دماء فلذات أكبادهن وأبناء أرواحهن، حيث شكلت قضيتنا الحق الذي بعث من جديد في ثورتنا بعد أن دفن حياً لأربعين عاماً، فأبت حرائر الشام إلا أن يشاركن في خط صفحات من العزة والتضحية والإيثار بماء أعينهن وسنوات أعمارهن وجراح أرواحهن كجزء لا يتجزأ من مكونات هذا الشعب، الذي أمسى كابوسا لكل ظالم ظلام للمستضعفين. ورغم تعدد أوجه مأساة المرأة السورية من أرامل و ثكالى وأيامى ومعتقلات ومغتصبات، إلا أنها تبقى صرحاً لن تبلغه أدران أشباه البشر، هي أنقى من أن يستطيعوا تدنيسها فقد سمت وعلت وارتقت بمبادئ لن يدركها عبيد الطاغوت وأذنابه. 

 

جزاء الآخرة يقيني الحدوث، حتمي الوقوع، لكننا نسعى إلى قصاص يشفي صدور قوم مؤمنين، فالآهات التي أُطلقت في تلك المعتقلات لن يموت صداها مع مرور السنين

رويترز
 
"لا أنسى اسمه، في عمري، اسمه المقدم سليمان من طرطوس"، هذا ما قالته مريم التي ذاقت ويلات الاعتقال ومرارة السجن وعلقمة الإهانة والانكسار. لن تنساه، إنه الثأر الذي يستولد النصر، إنه الحق الذي لا يموت، إنها الدمعة التي لن تجف، بل ذكراك يا مريم ما هي إلا جرح غائر في جبين الإنسانية جمعاء وندبٌ ظاهر لا يخفى أثره ولا يزول ألمه بل يبقى ثأر جيل فجيل. "شعرتُ أن روحي غادرت جسدي، وأن جسدي انفصم عن فكري، كلٌ بمكان"، كمية الألم ومقدار التعاسة والشقاء الذي تعرضن له، مما لا تتحمله نفس بشرية. فكيف بأنثى فُطرت على اللين والرفق، جعلت روحها تحلق بعيداً، تسمو في الآفاق التي لم تمتد لها يد أعداء البشرية، لم تتحمل الرضوخ لواقع أسود يمتلئ بالآثام، حيث ليس لصرخاتهن المعتصم وليس لاستغاثاتهن إلا رب الأرباب: "فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي".
 

النداء الرباني الذي هوّن على مريم ابنة عمران يرخي ظلاله على نفوس قد وهنت من فرط الشقاء، فينير البقاع المظلمة في أرجاء أرواح مزقتها صعوبة مواقف ما عادت تمحى من ذاكرة نساءٍ سوريات. خُذلن من مجتمعات تتشدق بالحريات الاجتماعية والحقوق النسائية، شعاراتهم لها بريق أخاذ لكنها خاوية المعنى سرعان ما ينطفئ بريقها ويخبو إذا ما اصطدم بالواقع الأليم الذي يجرده من النفاق والكذب، ليبدو جلياً واضحاً أن المعاناة السورية يتيمة ليس لها من دون الله كاشفة. 

جزاء الآخرة يقيني الحدوث، حتمي الوقوع، لكننا نسعى إلى قصاص يشفي صدور قوم مؤمنين، فالآهات التي أُطلقت في تلك المعتقلات لن يموت صداها مع مرور السنين، الأدمع التي تساقطت لن تجف بل ستروي أشواكاً تُدمي كل من امتدت يده بسوء إلى نساء أرض كفلها الله بعزته وجلاله. بعد مشاهدتك لهذا الفيلم الذي يفيض بالألم حقيقة لا مجازاً، لن يدور بذهنك إلا سؤال واحد، أو بعد هذا نهزم وكأن شيئاً لم يكن؟ فتدفن صيحات حرائر الشام وتنسى صرخات الأمويات وتموت الحقوق ويحيا الجلاد وصحبه! حاشا لله أن نُهزم.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة