فرح عصام
فرح عصام
1.7 k

مهالك التكنولوجيا.. كيف حطم الإنترنت رغبتي في قراءة الكتب؟

16/1/2018
قبل عدة أيام، قمت برفع صورة لمكتبتي على حسابي في إنستجرام، مرفقة بتصويت. كان التصويت كالتالي "هل تصدقون أنني قرأت كافة هذه الكتب؟"، 77% قالوا نعم، لكن الحقيقة أنني لم أقرأ منها سوى أعمال ميلان كونديرا، والذي خفت إعجابي به، بعد كتاب "أساتذة اليأس- نانسي هيوستن".
 
مكتبتي لا تتجاوز 90 كتابا (دون الكتب الإلكترونية)، لكن كافة العناوين المكدسة على الرف -إن استثنينا كتاب "جنون النساء وغباء الرجال"- هي من العيار الثقيل: "الدولة المستحيلة - حلاق"، "كيفية تغيير العالم - ماركس"، "منابع الذات - تايلر" وربما كان هذا هو السبب؛ أي إنَّ هذه الكتب لا تثير شهية القراءة، بالأخص لمن لا تهمهم هذه الكتب لغاية بحثية أو انهمام شخصي بقضاياها، لكن ثمة سببا آخر في رأيي وهو أنني كنت كلما اقتنيت كتابا، رفعت صورته على فيسبوك. أرفع الصور لأنني أريد أن أحصد الإعجابات، هذه الإعجابات، كانت تؤدي عندي مستويين من الحجب عن القراءة.
 
الأول: أنني عوض الانتماء إلى القراء الآخرين من خلال القراءة والنقاش، كانت هذه الصورة توفر لي انتماء إلى فضاء أوسع هو فيسبوك من خلال الصورة التي تعززها تصورات مسبقة عني. الثاني: أن فيسبوك حطم عندي أي قدرة على إمساك أي كتاب لأكثر من نصف ساعة. ولا تظنوا أنني لم أذهب إلى أبعد الحلول تطرفا للتخلص من هذا الأمر، كالبقاء طيلة عام دون هاتف ذكي. وسأذكر لكم واقعة تثير الضحك، على الأقل بالنسبة لي. 
   
  
منتصف عام 2016، قررت قراءة كتاب "الاعترافات- جان جاك روسو"، لمن لا يعرف الكتاب، فهو عبارة عن مذكرات للفيلسوف الفرنسي، صادر عن المنظمة العربية للترجمة، أما اللغة الأنيقة التي خُطت بها الترجمة، فكانت لخليل رامز سركيس. بعد قراءة تصدير الكتاب (15-18) وتقديم سركيس لروسو (19-27)، ينتهي بي المطاف إلى استهلال روسو بحديثه عن أسباب تأليف "الاعترافات"، بلغة ملحمية: 
  
"أنا وحدي. إني لأشعر بما في قلبي، وإنني أعرف الناس؛ فأنا لم أخلق على غرار أحد ممن رأيت قط؛ وأجرؤ على الاعتقاد أني لم أصنع على شاكلة أي من البشر الموجودين، إن لم أكن خيرا منهم، ففي الأقل أنا آخر لهم. أما هل أحسنت الطبيعة أم أساءت إذ حطمت القالب الذي سكبتني فيه، فذلك ما لا يستطاع الحكم به إلا بعد قراءة ما أكتب. وليدوّ صور يوم الحساب متى يشاء، فلسوف أتقدم إلى الديان الأعظم وبيدي هذا الكتاب. ولسوف أقول جاهرا: هذا ما فعلت، وهذا ما جرى به فكري، وهذا ما كنت عليه.
 
ولقد قلت الخير والشر بالصراحة نفسها؛ فما سكت عن قبيح، ولا أضفت من شيء حسن. ولئن اتفق لي أن عمدت إلى بعض التنميق الذي لا طائل تحته، فلم يكن ذلك قط إلا سدا لثغرة سببها وهن الذاكرة، وربما قدّرت صدق ما عرفت أنه قد يكون حقا، ولكن لم أقدّر يوما صدق ما عرفت أنه باطل. ولقد أبديت نفسي كما كنت عليه، أبديت نفسي محتقرا نذلا حينما كنت كذلك، وأبديت نفسي طيبا كريما ساميا حينما كنت كذلك: فكشفتُ عن دخيلتي كما رأيتها أنت بنفسك. فيا أيها الكائن الأزلي، أحشد حولي من أشباه الجموع التي لا تحصى، فلينصتوا إلى اعترافاتي، وليرثوا عيوبي وليخجلوا لما أنا عليه من ضروب البؤس. وليتناوبوا واحدا واحدا، عند أسفل عرشك، يكشف كل واحد منهم ما في جنانه بالصراحة عينها، فإن تجاسر أحد بعدئذ فليقل لك: لقد كنتُ خيرا من هذا الإنسان".
 
بالطبع لو قال روسو هذه الكلمات في أيامنا لتم تشخيصه بمراحل متقدمة من جنون العظمة، لكنني في المرة الأولى التي قرأت فيها هذا الاقتباس، لم أتمالك نفسي، فقمت برفعه كصورة على حسابي في فيسبوك، ثم وضعت الكتاب جانبا، وبدأت أتصفح فيسبوك. بعد عدة أسابيع، انتبهت إلى أن الكتاب لا يزال في درج الطاولة. قلت لنفسي؛ فلنحاول مجددا، لا يمكن أن تتوقفي عند أول ثلاثين صفحة. والالتزام أخلاقي محير لا أعرف مصدره، قمت بمعاودة القراءة من البداية: التصدير، التقديم ثم الاقتباس، ثم الدهشة ذاتها. هذه المرة أعدت مشاركة الاقتباس عبر منشور مكتوب لا عبر صورة للنص. ولأن الكتابة كانت مجهدة، أضفت الاقتباس ثم غفوت. في المرتين، كان الاقتباس أشبه بأغنية من حقبة التسعينيات -نعم، بالنسبة لي، هذه هي حقبة الأغنيات العربية الذهبية- أسمعها بنفس الحماسة والنوستالجيا.
  
في المرة الثالثة، حسنا، لا توجد مرة ثالثة، أعدت الكتاب إلى الرف وأقسمت ألا أعيد قراءته إلا لو كان متطلبا جامعيا، بحيث أقرأه تحت وطأة ترهيب وتوسلات الأستاذ. هذا ليس الكتاب الوحيد، صادفتني المأساة ذاتها مع العديد من الكتب التي حاولت عبثا اجيتاز صفحات فصولها الأولى، وكنت أشارك اقتباساتها عبر وسائل التواصل الاجتماعي ثم أنصرف عن إتمامها أو العودة إليها. إذًا، ما الأثر الذي يتركه الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي على عادات القراءة لدينا؟
  

قراءة منشورات فيسبوك، تغريدات تويتر، كلها أشياء قصَّرت دارات الانتباه في أدمغتنا؛ لم يعد الدماغ مؤهلا للاستغراق المطول في القراءة

أن سبلاش
 
كاستخلاص شخصي، سأقول إن هذا الفضاء حوّل القراءة من سلوك معرفي إلى سلوك استعراضي، وأعتقد أن موسم اقتران وسائل التواصل الاجتماعي بسلوك القراءة وصل ذروته عام 2012، عندما أجج الربيع العربي عواطف الأمل والذنب لدى الشباب تجاه أنفسهم وأوطانهم، فأخذت "مبادرات القراءة" تنتشر بشكل غير مسبوق، وبدأت صورة الشاب المثقف الذي يحمل كتابا على فيسبوك تمثل الإجابة على أسئلة جدوى العيش لدى الفتيات. ماعلينا، هناك العديد من الآثار السلبية لوسائل التواصل الاجتماعي، والإنترنت إجمالا على سلوك القراءة. والآن تبدأ مرحلة الغش من غوغل..
 
قراءة منشورات فيسبوك، تغريدات تويتر، أو حتى اصطياد قطعة من تقرير لتحريرها في تقرير آخر، كلها أشياء قصَّرت دارات الانتباه في أدمغتنا؛ لم يعد الدماغ مؤهلا للاستغراق المطول في القراءة، وحتى في حالة قراءة المقالات، بات البحث عن معلومة بعينها داخل المقال يتم من خلال البحث باستخدام الكلمات المفتاحية. يقول نيكولاس كار، من صحيفة الأتلانتيك، إن البشرية تتحول إلى جموع من الخرقى شيئا فشيئا، لأن تكوين المعرفة، يتطلب القراءة المتفحصة ومن ثم تشرب الأفكار والتحليل والنقد، وهذه مهارات تواجه خطر الانقراض اليوم، بسبب وسائل التواصل الاجتماعي أولا، وبسبب وفرة المعلومات على الإنترنت ثانيا.
 
إننا من أجل العودة إلى القراءة، علينا أولا معرفة الجدوى من القراءة، ومن ثم اتخاذ القرار، ومن ثم الالتزام به، مهما كان الثمن
لهذا السبب، لم أعد قادرا على الإمساك بكتاب لأكثر من ساعة، أضف إلى هذا أن على القراءة الاتصال بجدوى معينة. لا يمكنك قراءة الرواية دون رغبة في تزجية الوقت أو الاطلاع على أحداث واكبت فترة معينة أو خوض غمار تجربة انفعالية أو أن تكون متطلبا جامعيا، ولا يمكنك القراءة لتايلر وماركس دون أن تكون مهتما بالعلوم السياسية والفلسفة أو تمتلك الرغبة في التعرف إليهما من الأساس. وثورة مثقفي فيسبوك تسبب إرباكا لكل شخص يريد البدء في هذه المواضيع، بحيث يرى أن الحديث عنها متداول، لكنه لا يعرف من أين يبدأ، لكن السؤال الأصح في رأيي هو لماذا تريد قراءة هذه المواضيع؟ وعلينا أن نكون صادقين مع أنفسنا، حينها سنتمكن من إزاحة الكثير من الكتب غير الضرورية عن الرف.
 
حسنا، لماذا أريد أنا أن أقرأ لتايلر وماركس وهؤلاء؟ لأن كافة أصدقائي على فيسبوك -من الوطن العربي- كانوا يتداولون هذه العناوين، مع أنني أعيش في مدينة يفرض علي واقعها أنواعا مغايرة من العناوين. من الآخر، اقرؤوا ما تشعرون أنه يتصل بواقعكم، لكن ماذا إن كنا نريد العودة إلى القراءة أيا كان الكتاب ومهما كان الثمن؟ حسنا، أعتقد أن أسهل حل هو أن ترغم نفسك على القراءة، تحت أي ظرف، ومع أي كتاب، لكن كيف؟ نحن نقرأ النصائح ولا نطبقها، وسؤال كيف، في كل شيء تقريبا، ينبغي أن نجيب عنه بأنفسنا، لكنني قرأت دراسة -بالطبع لم أقرأها كلها- تشير إلى أن مجرد وجود هاتف محمول في المنزل دون استخدامه، يسبب تشتيت الانتباه، وكلا، لا تلقوا بهواتفكم إلى التهلكة.
 
قبل ثلاثة أشهر، أقلعت عن الكافيين، كل ما أعرفه عن الكافيين هو أنه يرفع مستويات التوتر عندي إلى أقصى حد. أي تقصير في الدراسة، في العمل، أي كلمة أو تعبير خاطئ، كان يؤدي إلى نوبة قلق تمتد لساعات. كنت أشرب يوميا ستة أكواب من القهوة على أقل تقدير، وقررت، دون الكثير من التخطيط، أنني سأحذفها من حياتي إلى الأبد، وفعلت. ما أريد قوله، إننا من أجل العودة إلى القراءة، علينا أولا معرفة الجدوى من القراءة، ومن ثم اتخاذ القرار، ومن ثم الالتزام به، مهما كان الثمن. فعلت الشيء نفسه مع فيسبوك حقيقة.

#يتصدر_الآن

تكلفة البقاء ضمن الأنظمة الاستبدادية.. الحصاد المُرّ!

تطور الفكر السياسي الحديث بمقارباته ومداخله وأدواته ومناهجه، قد أفرز عدة نماذج للحكم وإدارة المجتمعات الحديثة، وأُثْرِيَ البحثُ السياسيُّ بمنظومة جديدة من القيم والأسس والأفكار التي تتماشى مع تطور الإنسانية.

699
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة