إبراهيم نصر الله
إبراهيم نصر الله
689

ثلاث حكايات عن الشعر.. هل هناك أكثر من موت؟(3)

28/1/2018

الحكاية الثالثة

لعل أغرب ما حدث أنني حين انتهيت من كتابة ديوان "بسم الأم والابن" الذي يُشكل سيرة لأمّي، في نهايات 98، بدايات 99 والمكرّس لرثاء أبي على لسانها، عبْرَ العودة إلى الموت مرّة ثالثة، لعل أغرب ما حدث، أنني بعد أن نشرت خمس قصائد من هذه السيرة الشعرية المكوّنة من 33 قصيدة، هبّ الموت ثانية واختطف روح شقيقتي التي لم تتجاوز السابعة والثلاثين من عمرها. لكنني هذه المرّة لم أتوقّف عن نشر ما كتبته، بل تسارع نشر القصائد، حتى كأني أقوم بهجوم معاكس على الموت!

 

لكنني خسرت أكثر، إذ استطاع خلال ثلاثة أشهر بدءًا من 28 آذار 1999 أن يختطف ثلاثة أشخاص قريبين لي، وفي الموعد نفسه من كل شهر: 28 نيسان 1999 و28 أيار 1999، وقد قلت لأحد الأصدقاء بأسى: يبدو كما لو أننا كعائلة أُصبنا بفيروس تشيرنوبل الذي كان يهاجم أجهزة الحاسوب في وقت محدّد، في تلك الفترة.

 

***

 

لست جهاز حاسوب، ولن أكون. لكنني لا أستطيع القول الآن، إنه كان يستحق تلك الصداقة التي منحته إياها، ولا تلك الألفة التي عاملته بها، لأن أجمل ما في الحياة هو العيش فوق الأرض لا تحتها، ولأنني على يقين من أن صحبة الأحياء لا يمكن أن تقارن بحال من الأحوال بصحبة الموت والموتى:

 

لا شيءَ تحتَ الأرضِ غير الأرضِ

يمكنُ أنْ أقولَ به المدائحْ

الريحُ قاسيةٌ هنا

والصمتُ جارحْ

يأتي النهارُ وليلُـهُ فيهِ ..

الطرائدُ في الجوارحْ

 

***

 

رغم أنني في أحد المقاطع أقول للموت: (لن أكتب عنك مرة أخرى.) إلا أن وعدا كهذا كان مجرد حفنة من ريح، فقد عدتُ وكتبت عنه 33 قصيدة في (بسم الأم والابن)

منذ آب عام 1996، تاريخ الانتهاء من كتابة ديوان "كتاب الموت والموتى"، مرت ثلاث سنوات، ونشر الديوان كتابًا بعد سنة، بعد نشره في الصحيفة، رأيتُ فيه قدرا هائلا من الحزن، مثل ذلك الذي كنت رأيته في راية القلب. لكنني أدركت أن أحد أهم أدوار الشاعر هو أن يقارع الموت بكل أشكاله، تماما كما حدث في "راية القلب". ورغم هذه الخسائر كلّها، أدرك أيضا أن العمل الشعري الذي نكتبه يُغـيـِّرُ فينا شيئا كشعراء، بالقدرة نفسه، ربما، الذي يُغير فيه شيئا، ما، في القراء أنفسهم.

 

ولكنك كشاعر لا تملك وسط هذا كلّه سوى أن تبحث عن درْع تستطيع به ردّ رماح الموت: في "راية القلب" رفعت في وجهه (أنشودة المطر) كمنجز أدبي، حين أدركتُ أنه قد يستطيع هزيمة الشتاء على الأرض، لكنه لن يستطيع هزيمته في فن القصيدة. فها هو الذي استطاع اختطاف شاعرها، وقف مكسورًا على بابها:

 

نهضتُ وناديتُ :

فليكنِ السهلُ قمحًا

وهذي التلالُ شَجرْ

ولتكن الريحُ سفحًا

لأقطفَ هذا الثمرْ

وليكن البحرُ عُرسًا

ولونُ الفَراشِ وتَرْ

وليكن الحلمُ بيتًا

وبعضُ المُقامِ سَفرْ

سفرْ...

فاخضرَّتِ الأرضُ ثانيةً

وشاهدتُ ( بدرا ) يُغادرُ أكفانَهُ وهو يُنشِدُ ملءَ الفضاءِ:

مَطـرْ..

مَطـرْ..

مَطـرْ..

 

وكما لو أن ذلك لا يكفي، عدتُ إليه من جديد في (كتاب الموت والموتى) باحثا عن درع آخر، إنه درع الفنون، وكيف يمكن للفنّ أن يقف في وجهه، ويهزمه! بعد أن أوغل في حقْلي الخاص وحصدَ ما حصد، ولأن (الضوء) في لوحات رامبرنت كان يفتنني دائما، ويشكل معجزة ماثلة أمامي كلما رحتُ أتجوّل بين أعماله، رفعت هذا الضوء، ضوء اللوحات، في وجه الموت واثقًا من أنه لن يستطيع إطفاءه، فكانت قصيدة متاعب أو متاعبه:

 

ولـهُ...

عذوبـةُ الأولاد

عصافيــرُ الضحى الهـادئ وعـاداتُـها

قهـوةُ الأُم

وقـلبُها الأبيض

ابتسامةُ الحبيبة

ومـوسيقى ذراعيها

قـامـةُ الأبِ

وأسمـاؤه الأربـعة

ولكـن

ماذا عن الضـوء فـي لوحات (رامـبرانـت)؟!

 

والآن أتساءل: هل يكون الجوهر العميق في اندفاعي نحو الشعر والرواية والرسم والتصوير وكتابة الأغاني ومعايشة السينما محاولات أو دروعا أرفعها في وجه تقدُّمه؟!

 

بعد نشر (كتاب الموت والموتى) بأشهر، وقع، وفي يوم واحد حدثان متشابهان، شاب لم يكد يبلغ العشرين، اقترب مني وراح يحدثني عن (كتاب الموت والموتى)، ثم أخرج ورقة كتب فيها بعض قصائد الديوان، وراح يقرأ لي كما لو أنه يريد أن يُعرِّفني بشيء لا أعرفه! وكان الحدث الثاني اتصالا تلقّيته من صديق صارع الموت بعد عملية قلب صعبة، يخبرني فيها بأنه وقع في حبِّ الديوان. كان المفرح في الأمر أنه، وكالشابّ، أيضًا، كان يتحدّث، دون أن يبدي أيّ فَـزع أمام فكرة الديوان، بل يتحدث ليقول لي كم يحبّ الحياة. ربما إليهما، هذه الشهادة يمكن أن تُهدى... ولغيرهما.

 

 بسم الأم والابن (مواقع التواصل)

***

 

أعرف أن لكلٍّ منا كتاب موته، كما أن له كتاب حياته، ولكننا، حين نكتب عن الموت، أو في الموت، لا نفعل أكثر من أن نقدم رؤانا الخاصّة، والتي هي في الحقيقة قصائدنا، وذواتنا.

 

ولكن هل اكتملت الأسئلة؟ أظنها لن تكتمل، فرغم أنني في أحد المقاطع أقول له: "لن أكتب عنك مرة أخرى". إلا أن وعدا كهذا كان مجرد حفنة من ريح، فقد عدتُ وكتبت عنه 33 قصيدة في (بسم الأم والابن).

 

لكنني قبل أن أعود للكتابة عنه مرة أخرى وأخرى، وهذا من الأمور السعيدة، إن حدثت، لأن ذلك يعني أنني سأكون على قيد الكتابة- قيد الحياة، قبل أن أعود للكتابة عنه، لا بدّ من تلك القصيدة التي اختتمت بها "كتاب الموت والموتى"، كشكل من أشكال من الاحتياط:

 

سأقول إني ذاهب للنوم

عندما يأتي

لقد تعبت كثيرًا

أرجوكم.. ومهما حدث

لا توقظوني قبل يوم القيامة!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة