أسماء مبروك
أسماء مبروك
2.2 k

روح الفنّ

3/1/2018
الفنّ خروجٌ عن مسار المألوف، هو جمالٌ وذوقٌ وصياغةٌ أسلوبيّة وترجمةٌ وإفصاحٌ عن مكنوناتٍ ومشاعر متراكمة، تركيبةٌ من بناءات عقليّة وميكانيكيّة تصل في النهاية الى البناء الكلِّي للّوحة أو المعزوفة أو القصيدة.
 
دراسة الفن من متضمّنات "علم الأستطيقا"، الذي يعود ظهوره إلى عهد اليونان، وهو "علم الجمال" وموضوعه الجمال. وما يمكن الإشارة إليه اليوم أنّ هذا العلم أصبح أكثر شموليّة عن ذي قبل إذ اندرجت تحته فروعٌ عديدة.  بعيداً عن الفنون الموسيقيّة، المسرحيّة، التمثيليّة والأدبيّة، وما أخصّه بالذكر في هذا المقال هو فنّ الرسم أو الفنّ التشكيلي.
 
الفنان إنسان حرٌّ مستقل متأمّل واثق، لديه فضول جامح لاكتشاف خبايا هذا الوجود، يمضي وقتاً طويلاً في التفكّر في عظيم صنع الخالق المصوّر لكلّ جميل. شخصيّته مزيج من الإبداع والاتّزان والعبقرية تارةً، والجنون والهوس تارةً أخرى. هو الشخص الذي يحتفظ طوال حياته بنصاعة وتلقائيّة انطباعات وأحاسيس الطفولة، وهو الشخص الذي لم تصبه البلادة ولم يتكيف أبداً مع هذا العالم، بل ينقل عليه في غير ما تعبٍ عينينِ بريئتينِ وشغفا وعقلاً متجرّداً. الفنان غارق في الجنة المؤنسة، حيث تتجلى أسرار الحياة الغامضة التي ليست أقلّ سراً وخفاءً من الفنّ ذاته، يجتذب بألوانه البراقة كلّ مظاهر الرقيّ والجمال، وكلّ فنان يصنع لنفسه بصمةً متفرّدةً في دنيا الفن.
  
عتاده لوحة أو ورقة، ريشة، ألوان لا تنتهي، قابلة للتمازج والاتساق حيناً، وللتنافر حينا ًآخر؛ يمزجها على هواه، وفي كل حالاته وانفعالاته وتقلّبات مزاجه: صخب، هدوء، حزن أو فرح، لتذوب روحه وقلبه وسطَ طبيعة جذّابة يبدعها، ثرية الألوان ومتوازنة الكتل، أو امرأةٍ فاتنةٍ جالسةٍ على شرفة نافذة تحتسي فنجان قهوة، يدلّل أنوثتها بواسطة أنامله الخلّاقة ويزهو بمكامن الجمال الإلهي فيها في سكون واستغراق، أو رسم تشكيلي ذي خطوط وشخبطات يعبر به عن بوح روح ووجدان.
   
بابلو بيكاسو (مواقع التواصل)
 
إمّا أن يسافر بفوضى خياله الواسع إلى أرضيّة لوحته أو أن يحاكي -أي يصوّر- شيئاً موجوداً أمامه في شكل عمل فني مذهل. وحين يقيم معرضه يلفت بفنّه نظر المشاهد المتذوّق الذي يقف متأمّلا بدوره، ويغوص في أعماق اللوحة ليستشفَّ جمالاً لايدركه غالباً إلّا أصحاب الروح والإحساس المرهف. فالصفات الخاصّة بهذا العمل أو الكائن المرسوم تصل من الخارج إلى عقل المتأمّل بطريقة قريبة من التأثير الضوئيّ وهو ينطبع في شبكيّة العين، وهذا ما يسمى الجمال المطلق عند أفلاطون، لهذا السبب يخبرنا علم الاجتماع بأن للفنّ وظائف نفسيّة واجتماعيّة اجتمعت عند المؤلّف والمتذوّق على حدٍّ سواء.
  
وهنا يمكن القول إن مواضيع الجمال متداخلة بين الذاتيّ والموضوعيّ، لا يمكن فصلها رغم محاولات البعض، لكنه في رأيي فصل قسريّ، لأن عقل الانسان جُبِلَ على إدراك الجمال أينما كان وكيفما وجد. فالذي يختلف هو الذوق في مواجهة الأمور الجماليّة. ونظرة الفنان تختلف عن الإنسان العادي، فالفنان -كما نعرف- له صفات تميّزه عن غيره، أبرزها العبقرية والجنون، لذلك قيل "إن الشخص الذي لا يراعي في إعجابه الشخصي موضوع إعجاب الجميع لا يكون مجنونا"؛ وهذا ما يبرر تأسيس مدرسة "الفن للفن"، التي كان من أبرز روادها كونت دليل، فلوبير، وجنكور، والتي تضم جمهرة الفنانين في فضاء موحد انطلاقا من فكرة الفنان للفنان.
 
من منّا لا يعرف أشهر الرسامين العالميين، ليوناردو دافنشي، بابلو بيكاسو، الإيطالي تيتيان، مصطفى الحلاج، الفلسطيني صاحب أطول لوحة جدارية في العالم، ومحمد راسم الجزائري؟
إن الفنان يصطنع لنفسه جمالاً فنيّاً من قبح طبيعي، فالجمال الطبيعي للأشخاص لا علاقة له بالجمال الفنّي للوحة. إن صورة امرأة جميلة ليست بالضرورة صورة جميلة، وصورة امرأة قبيحة أو عادية بطبيعتها من الممكن جدّاً أن تكون تحفة فنية رائعة.
  

الفنان وحده يشعر بتعقيدات الحياة الملموسة فيسعى إلى الهروب منها لأنّ روحه تأبى الانصياع للأصنام والتكرار، فيمحو كل أثرٍ لروتين مقيت ويكسر عقله كلّ القيود ويحرر من الجمود القاتل

أن سبلاش
  
إنّ متعة الفن متعة ولذة لا تضاهى، تبدأ منذ مرحلة الطفولة لأن الطفل يلعب، والفن لعب حر، أوّل ما يبحث عنه الطفل هو اللّذة الناتجة عن الأحاسيس الشديدة أيّاً كانت: أصواتا صارخة، ألوانا براقة، حركات سريعة، مع العلم أنّ رسوم الأطفال تختلف عن رسوم البالغين، لكنها تشترك في شعور المتعة واللّذة.
 
في عزلة تامة يباشر الفنّان برسم لوحة ما، وكثيراً ما يكاد "ينسى نفسه" وبعض تفاصيل يومه إلى أن يُنهي عمله على أتمّ وجه وعلى نحوٍ يرضيه، يصنع لنفسه جمالا في وسط قبح أوجدته بيئته وعالمه المضطرب القابع في زنازين مظلمة من اللهو واللغو والجهل المغرق.. لذلك فالفنان وحده يشعر بتعقيدات الحياة الملموسة فيسعى إلى الهروب منها لأنّ روحه تأبى الانصياع للأصنام والتكرار، فيمحو كل أثرٍ لروتين مقيت ويكسر عقله كلّ القيود ويحرر من الجمود القاتل.
 
كلّما بالغنا في وصف الفن أفقدناه شيئاً من قيمته ومعناه الحقيقي، فهو جمال ودليل على إعجاز الخالق، بل وجماله الأعظم الذي يلقي الإلهام في عقل الفنان فيجعله بحراً للغارقين ومتنفّساً للتائقين وحياةً للتائهين.. وكما يقال "حينما يكون الفن حياة تصبح الحياة فنّاً".

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة