محمود المغربي
محمود المغربي
409

سوريا.. نزف الروح والهوية

5/1/2018
رائحة الكتب والصفحات والحنين إلى سوريا، تلك صفات تزين مكتبات الأدب العربي وتسري بالمنفى وفي جسدي هناك، بين منحدرات الحرف وجذوره المتأصلة بعمق الأرض، هنا ذكريات لم نعد نراها سوى في الأحلام أو في صفحات الذاكرة الرثة.
 
ذكريات خالية من نهش الحرب وقسوة لون الدم على الأنقاض، نعم سوريا خمسُ سنواتٍ وأكثر وما زلنا نرى مظاهر الحُب تشعُّ وتتوهج من جسد الحرب الغاشمة، مظاهر قاحلة شتان ما كانت تحتمل مبدأ المقارنة بين الحقيقية والوهمية، فلا يرضخ غصن اللّوز الدمشقي المزهر إلا للهُوية الأُولى الحقيقية "سوريا"، أما الآن فهي مظاهر هوية ترسو بمراكب الوهمية، تتلاشى ولا تنتهي كنزيف حاد في جواز السفر أو الهوية.
 
شُوِّهت براعم الغُصن هناك فأصبحت تتبرعم بشكل عشوائي إلى ضفاف "اللجوء" والاغتراب والسفر إلى إقاصي الأرض للتوَسُّم والتجمُّل بشكل مؤقت بشارة العيش بسلامٍ وحرية، نوستالجيا مختلفة تنفجر من تلك الأرض في سوريا لوحات فنية فتية ملطخة بدم الأبرياء المدنيين المنسية، الرافضين التخلي عن الوطن ومشاهِده الحية المُقوِّضة للموت الذي لا يُقَوَّض إلا بالموت، وطنٌ لم نعد نرى منه سوى الضباب الكثيف وانعدام الرؤية المستقبلية من تحت الأنقاض، حتى الضباب هنا يتكلم لطائرة من طراز الشبح المُقاتلة وربما أعنف من ذلك يقول عنوة "هذا يكفي، لم يعد هناك شبر لم يُقصف ولا حارة قديمة لم تُنسف"، جمادٌ هي الطائرات لا تَسمع ولكن ترى بعين الموت، تَقصف بيت النمل في بيارات الزيتون قبل بيت الإنسان وشجرة الكرز الأحمر والليمون.
 
في ريف حلب مركز الصناعة واللغة والشريعة والبلاغة والأدب، حتى هناك القصف أصبح مجنونا، موت وأشلاء وعصا عجوز فوق الموت مركون، بلاد لم تعد شبه لوحة الياسمين البيضاء والأقحوانة الحرة ولا ركوّة القهوة العربية السادة المُرة، لم تعد رمز الأضواء والسهرات بظل لؤلؤ الرمانة ولا بلاد فتاة بيضاء لا تعرف السُمرة، رائحة التراب دماء ورائحة الهواء مزيج من البارود وعتمة الأضواء، سقفنا غيمة تُمطر حربا من مكان آخر، ربما مجرة الفضاء، فالسماء أرحم من أن تمطر حربا وتَقتل وتبيد بني آدم وحواء.
 

أنا مدينة تُدَمر والحضارة كامنة بقلب الحجارة، قبل القصف والاجتياح قد تم نسفي بدقة توازي النقش بالمسمار

رويترز
 
السماء تحتضن الشهداء وترتقي بهم إلى مراتب الخلود عند رب الأموات والأحياء، دمشق والشام وإدلب وحلب وحماه يسافر بها الموت على رقصة أخيرة لدورةِ صوفي مُحب وعاشق يؤمن بوجود الله، صوفي يَطوف حول ثوبه لِيغُمى عليه بين المدن وتدفن الحرب قضيته الشائكة مع بقايا رُفاة، جبال قاسية يا وجع، شاهد على موت عاشق وأنثاه، قاسيون يا جريمة لم تُرتَكب ويا من هَشّمَت جنازير الميركافا اتساع صدى الريح بفراغه وفي منفاه، هي الأخيرة صفة يرتديها قاسيون بغربته ولا يبكي كما عرفناه.
 
أوتار الثورة المشدودة يعزف عليها اليرموك ليبتر هُناك المخيم لتُخيم عليه المجازر والقتل والحصار، لا شيء يثار، القطط ميتة، الدجاج والأعلاف تُغلى مع الماء عوضاً عن العقار، أصاب الموت حتى المتردية من الأبقار، أعواد ثقاب وقواعد لكراسي ربما مدرسة أو حضانة أو كنيسة مكسرة ومفتاح كلاسيكي لغيتار،  قتلوا الموسيقى لكي لا نفرح ونغني صباح فخري على الجولان وعلى الأطلال، ذبحوا المائدة في حُرمة الشهر الفضيل رمضان على موعد الإفطار.
  
وللغوطة الثكلى نصيب من سلسلة إعدام النار، حسناً، ربما تريد أن ترمي بحملك هذا وكل الأسى المُناط والانكسارات والندبات والصفعات وكل الحزن وتمسح عن وجنتيك وعن وجه مدينة تدمر الغبار، تدفعك بعيداً لتناجيك عن كل ما تريد أن تتكئَ به هنا من صور الدمار، عزيزي أنا مدينة تدمر والحضارة الكامنة بقلب الحجارة، قبل القصف والاجتياح قد تم نسفي بدقة توازي النقش بالمسمار.
   
إذا لك ما تبقى من الأرض صور العابرين وهويتك الأولى وشتات وشاهد قبر عليه تاريخ وذكرى تَغرق فيك حد الانصهار، أما الكمنجة والعود الإرث المغتال، هما لحن شرقي يعمد إلى مواساة الناي في الغربة ويعزفان أنين وبكاء اللاجئين بعد كل انفجار، هكذا نحن نربي الأمل في لحن وفي غزل مع السؤال العقيم إلى متى ستبقى سيمفونية الرصاص تعشش في ذاكرة الدار.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة