محمد الخشاب
محمد الخشاب
1.1 k

الكِتابة.. للنساء فقط!

6/1/2018
في ظل الانفتاح الذي شهدته الثقافة العربية خلال القرن الماضي، نبتت بذور مُصطلح "الأدب النسوي" قادمة من الغرب، كغلافٍ يتوج الأعمال التي تستهدف قضايا المرأة المُختلفة، لكنْ مع تقدم الأيام، بات المُصطلح تعبيرًا عمّا تقدمه الكاتبات أنفسهن في عالم الأدب من شعر ونثر. ووسط الصخب الكبير الذي أُثير حوله، فقد أيدته الكثيرات والكثيرون ورفضه الأكثر. فما موقع المرأة من الإعراب في الأدب؟ وهل اختلفت الحالة عن ذي قبل إلى الأفضل أم إلى الأسوأ؟ وهل الكاتبات اللاتي نراهن اليوم على علمٍ بتاريخ سابقاتهن ومواقفهن العظيمة من الأدب واللُّغة ليأخذن بها؟ أم هُن في غفلة عن ذلك؟

بذرة الأدب النسوي
بدأت أهمية الأدب النسوي في الظهور خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وقد وصل إلى قمته في ستينيات وسبعينيات القرن العشرين، حتى كانت أول مجلة باللغة العربية، والتي أسستها الكاتبة هند نوفل تحت اسم "مجلة الفتاة"، وهي السنة نفسها التي تأسست فيها مجلة "الهلال"، وتلت ذلك وردة اليازجية، الكاتبة اللبناينة التي تزامن وجودها مع عائشة التيمورية المصرية، اللتين قدمتا إسهاماتٍ كبيرة في مجال الصحافة وكتابة القصة، وغيرهن كتبن، بأسماء مُستعارة، ومثلن كتلة كبيرة في واقع الأدب وذهن القارئ. غير أنه مع تزايد المرأة حملًا على الكتابة، فاضت أمامنا مؤلفاتٌ كثيرة تدور كلها في فُلك واحد، فلك صراع المرأة والمجتمع.

المرأة والقلم والمعاناة
عندما تمسك المرأة القلم، فإن أول شيء تتحسسه في فكرها هو معاناتها المُجردة -حتى وإن لم تُوجد- التي رسخها دُعاة التحرير الواهم، ومن يُنادون بأصوات واهية، غير ثابتة، فتحاولُ بدايةً شق طريقها في رحلتها نحو الحرية المغلوطة بالقلم، ولذلك فإن أكثر الكتابات النسائية كانت تسير دائمًا في دائرة مُغلقة، دائرة شعور المرأة وعلاقتها بالرجل، أو المُجتمع، أو موقفها كأمٍ، أو كزوجة، لا تبيانًا وترسيخًا للمكانة العظيمة، وإنما تمردا على الحياة.
 
لست ضد أيٍ من هذا، ولكنّ حقيقة المشكلة في غفلة الكاتبات عن القضايا الأخرى، كالتعليم. إن توجيه الكتابة النسوية في مسار واحد -مسار الشكوى والتظلم- أدى إلى جمود موضوعي في هذا النوع من الأدب فترة طويلة، نتج عنه تكرار المحتوى، وإعادة الأفكار نفسها، فقط يتغير اسم الكاتبة ولون الغلاف.
   
الكاتبة غادة السمان (مواقع التواصل )
 
المرأة والقلم والتأثير
ظل هذا الشكل المُوَحد مسيطرًا على معظم ما يُسمى "الأدب النسوي"، إلى أن تبدل الوضع وظهرت كاتبات يجدن الاحترافية في طرح قضايا المرأة المُعاصرة، فعبّرن عن القاصرات والمَحرومات من التعليم والمُعذبات في دروب الحياة، أقصاها قبل أدناها، وعلى رأس هؤلاء كانت بنت الشاطئ -عائشة عبد الرحمن- التي واجهت ظروف العالم القهرية التي تقابل المرأة، فلمعت وتألقت في سماء الكتابة والأدب وبرزت كتاباتها الفكرية، والنقدية، وهي التي تبعت الأديبة الكاتبة مي زيادة، فراشة الأدب الأولى، التي اقتحمت المجال الأدبي بذكائها ونبوغها الفكري وأسلوبها العالٍي ورؤيتها المؤثرة، وأيضًا إسهامات رضوى عاشور وغادة السمان. بذلك يكون التاريخ قد سطر عصرًا لامعًا في حياة الكاتبات، وتناولهن للقضايا المُتنوعة، الفكرية والنقدية، والدينية، فماذا عن وضع الكاتبات الحالي؟ وهل حافظن على هذا التقدم؟

كاتبات اليوم
أثبتنا سابقًا أن هذا العصر الأدبي، يُعدّ أكثر عصور الأدب هبوطًا، ولا تُستثنى من ذلك الكتابات النسائية، فإن كانت عِلة الكاتبات الأُوليات إسرافهن في توصيف المعاناة وتضخيها، فإن علة هؤلاء إضاقة إلى ذلك أكبر؛ فمُغظم اللاتي يكتبن اليوم لا يقدمن إلا الحكايات الرومانسية، التي دائمًا ما تُغلف بإطار الشاب الوسيم والفتاة الجميلة، واللذين يواجهان العالم بحبهما في صورة انفتاحية غربية. والأشد من ذلك ظهور كاتباتٍ يُغلفن هذه الرومانسية في إطار إسلامي، روائي جديد، أيّ عبثٍ هذا! غير أنّ الكثيرات الآن يكتبن في سياق الحركة النسوية الجديدة "فيمينست"، والتي دائمًا ما تُغلف عملها بفكرة التحرر، غير المُبررة، والأهم أن هناك قيودا وهن يحاولن التحرر منها، حتى وإن كانت هذه القيود تتعلق بحيرتهن إزاء اختيار لون طلاء الأظافر!

ضد الأدب النسوي
إن قولبة الكتابات العربية في إطارات معينة، تبعًا للجنس أو البلد، يعد تمزيقًا صريحًا لكيان الأدب العربي، الذي ما قام إلا ليوحد الصف وينير الأمة ويجمعها في إطار واحد هو إطار اللُّغة والهُوية. ثم إن فكرة التصنيف باطلة، فالأدب -شعراً ونثرا- هو تعبير عن فكر أو قضية أو طرح لمشكلة؛ استجلابًا للحل. نعم، هناك حركة للمرأة في الأدب تقاس بالإضافة والتأثير، كما لكل لون أدبي وجود، لكن هذا لا يستدعي قولبة الأمر، وإلا أصبح هناك أدب الرجل وأدب الشاب وتصنيفات لا تنتهي.

"نحن الكاتبات نركض، نركض باستمرار تحت ضغط لا هائي ونحارب في كثير من الزوايا، فنحن الأمهات، ونحن الزوجات، كأن الكاتبة في حاجة دائمًا إلى أن تسرق وقتًا" رضوى عاشور

مواقع التواصل
 
دوافع المرأة للكتابة
إن الكتابة صورة صاحبها، من هنا كانت رغبة المرأة في الكتابة، للتعبير عن نفسها، بعد حرمان دام فترة طويلة، ومنعٍ من التعلم والظهور في الحياة، فتكتب المرأة لتناقش قضية التعليم، وتحاور عن وجودها في المجتمع. كما أن كتابات المرأة انعكاس لتغير حالها إلى الأفضل. فلا شك في أن الكتابة ناتج عملية دراسة، اطلاع وقراءة وفهم. وربما تكون كتابات المرأة الكثيرة ثأرًا لماض هي عاشته في الظلام قهرًا، أو أن المرأة تكتب لرغبتها في أن يفهمها العالم، أن تكون مقروءة، مسموعة، لها رؤيتها ورأيها.

المرأة وجبهة الكتابة
تعيش المرأة حياتها في صراع مع جبهات كثيرة، فإن كانت تقاتل على جبهة الكتابة، فهي أيضًا لا تتوقف عن الدفاع عن الجبهات الأخرى، فهي زوجة، وأم، ومطالبة بأعمالٍ كثيرة. تقول رضوى عاشور -في لقاء مُتلفز- وهي كاتبة حُفر اسمها في تاريخ الأدب العربي بما قدمته من فنٍ رائع: 
"نحن الكاتبات نركض، نركض باستمرار تحت ضغط لانهائي ونحارب في كثير من الزوايا، فنحن الأمهات، ونحن الزوجات، كأن الكاتبة في حاجة دائمًا إلى أن تسرق وقتًا". قد يكون هذا مُهلكًا بمجهوده العالي، وإلا فإنه يُعد إضافة لخبرات الكاتبة، وامتلاكها مشاعر متنوعة، وتعاملها مع شخصيات أكثر تُعينها على الكتابة.

المرأة والإعجاب
نتيجة لبعد المرأة الملحوظ تاريخيًا عن عالم الكتابة وهيمنة الرجال عليه، ظهرت حالة تمدح كتابات المرأة، حتى الضعيفة منها، التي لا تتماشى مع الموروث الأدبي، بدعوى أننا في حاجة إلى تمكين المرأة من الكتابة. كما أن الإعجاب بكتابات المرأة لم يعُد متوقفًا على ما تقدمه من نتاج نافع، وإنما أصبح ذلك بابًا للدخول إلى قلب المرأة والإعجاب بها، كما هي الحال اليوم على مواقع التواصل، تجد فتياتٍ يكتبن بلا لُغة ولا بلاغة ولا أسلوب، ويتبعهن الكثير، فقط لأنهن نساء.

الكتابة للنساء فقط
بعدما بات هذا وضع كاتبات كثيرات اليوم في جمع القُرّاء، هل ستحل بالأدب العربي حقبة جديدة تكون ملكة الكتابة فيها للمرأة فقط ويندثر وجود الرجل لفترة زمنية، أسوة بالماضي؟ وإن حدث ذلك فهل ستكون للمرأة القدرة على الكتابة في القضايا الأخرى، كالفلسفة والفيزياء والتاريخ، أم أنها ستكتفي بالتعبير عن حريتها وحقها وتوصيف شعورها المُعتاد؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة