هل شاهدت التصميم الجديد لصفحتنا الرئيسية؟




القاتل الصامت.. هكذا تدمرنا انتماءاتنا الضيقة!

10/10/2018

تعود فكرة هذا المقال إلى صديق يشاركني العديد من الأفكار، هذا الصديق هو نموذج للإنسان الذي يبحث عن معنى لحياته، بعد أن تنازل عن المعنى الذي وجد فيه نفسه، ذلك أن نمط تفكيره ونظرته إلى الحياة، وطريقة ممارسته للحياة مختلفة تماما عن الناس، بسبب كونه اختار طريق العبث واللامبالاة، فهو يحاول أن لا يأخذ الحياة على محمل الجد، وفي نفس الوقت يحاول أن يصنع من نفسه إنسانا بمواصفات كونية، هذا الصديق في إطار نقاشاتنا الدائمة، طرح فكرة مميزة أثارت اهتمامي، وقررت أن أكتب عنها انطلاقا من تصوراتي ومواقفي، إنها فكرة التجرد من الانتماء، ولعله انطلق من تجربته الحية، ليؤكد على أن الانتماء سلبي في مجمله، ويمنعنا من النظر إلى الأمور من الزاوية الصحيحة، الزاوية الموضوعية والمحايدة، ومن خلال الانتماء نفقد القدرة على تقبل الاختلاف.

 

لعل الانتماء في أبسط تجلياته يجعلنا نعيش في الدائرة، ومن خلال وجودنا ضمن هذه الدائرة يستبعد أن نرى الأمور من الزاوية الصائبة، ذلك أن انتماءنا يحدد نظرتنا وردة فعلنا وتصورنا، وبالتالي فعندما نقرر الانتماء، نكون قد أغلقنا على أنفسنا، وضيقنا علينا مجال الرؤية، ولن يعود بإمكاننا فتح هذه الدائرة، ومن خلال هذا الانتماء ستظهر لنا الدوائر الأخرى من خلال سلبياتها، أما إيجابياتها فلن نستكشفها إلا عندما نخرج من تلك الدائرة، ولعل الانتماء إلى قبيلة معينة يجعلك متورطا فيها، لتبدو لك كل القبائل الأخرى على أنها ليست صائبة، ونفس الشيء عندما تشجع فريق في كرة القدم، فقد تعتقد أن فريقك هو الأفضل، رغم أنه ليس كذلك، هذه النظرة تكونت لديك نتيجة انتمائك السلبي، لأنك قررت أن تنتمي بكل جوارحك، وفي هذه الحالة تكون قد أغلقت على نفسك بإحكام.

 

إن سبب غياب الإيمان بالاختلاف في مجتمعاتنا هو الذوبان في الانتماء، هذا الذوبان القبلي والعرقي والجنسي واللغوي يؤدي نوعا ما إلى رفض الاختلاف، وننظر من خلال ذلك إلى أن كل مختلف عنا ليس صائبا من جهة، ومن جهة أخرى نرفض اختلافه، لأننا اعتقدنا أن الصواب ملك لنا وحدنا، ذلك أن انتمائي جعلني أنظر إلى الأمور من الزاوية التي يكون فيها انتمائي هو الحقيقة، وكل الانتماءات الأخرى مجرد وهم، هكذا يتضح أن الانتماء يغلق علينا زاوية الرؤية الصحيحة ويضيقها، بل ويمنع علينا أن نكون محايدين حتى في اللحظات التي لا غنى لنا في أن نكون كذلك، ونضطر لنحمل معنا انتماءاتنا حيث ننتقل، ونفكر انطلاقا منها، وننظر انطلاقا منها، ونعتقد مع كل ذلك، أننا نحمل الحقيقة.

 

عندما تتجرد من انتماءاتك الصغيرة، فإنك بشكل غير مباشر تقرر أن تعتنق المشترك العام، وعندما تنظر إلى هذا المشترك العام نظرة سلبية ضيقة، فإنك تضيق عليك في انتماءك

يبدو واضحا أن المجتمعات المتقدمة تسير نحو تجاوز هذا الانتماء، والسعي إلى الذوبان في ما هو مشترك، وهذا هو الطريق الوحيد الذي من شأنه أن يشعرنا بأننا صائبون، الطريق الذي سننتمي فيه الكون ونتعالى عن انتماءاتنا الصغيرة والضيقة، وأن نرغب بقوة في ما يشملنا ويجمعنا على نحو واسع، وأن نتخلى عن الانتماء في وجودنا الخاص والمحدود، وأن نرقى بأنفسنا إلى المسائل التي نشترك فيه جميعا كبشر، وأن نخرج من تلك الدائرة التي وجدنا فيها آباءنا، هذه الدائرة هي التي أعادتنا إلى الوراء كثيرا بينما المجتمعات الأخرى تتقدم، وهي التي أرغمتنا على أن لا نؤمن بالاختلاف، وأن نعتبر الاختلاف خلاف، هذه الدائرة تدور حول نفسها معتقدة أنها حاملة للحقيقة، ومعتقدة أنها تدور وتسير إلى الأمام، والحقيقة أنها تدور عودة إلى الوراء.

 

لقد أصبح من الضرورة أن نؤمن بالاختلاف، هذه الضرورة تضعنا أمام مسألة التنازل عن الانتماء، ولهذا لابد لمن أراد أن يكون إنسانا كونيا أن يتنازل عن انتماءاته في أدق تفاصيلها، وأن يتجاوزها نحو اعتناق المسائل المشتركة، المسائل التي نعيش فيها بكل أمن وأمان وتسامح لا ينتهي، ويبدو في ظل التعصب الذي يحكمنا والانتماء الذي يحددنا، أننا لن نؤمن بهذا المشترك ولن نصل إليه، لأن الطريق إليه يبتدئ من خلال نسيان الانتماء، أو على الأقل أن لا نتعامل مع هذا الانتماء بجدية واهتمام مبالغين، وأن لا نضع انتماءاتنا أمامنا دائما، وأن لا نتحدث انطلاقا منها، والأحرى من ذلك أن نخبئها في انتظار التنازل عنها بشكل تدريجي، ولا محيد عن ذلك لمن أراد أن يتذوق طعم المشترك الكوني.

 

عندما تتجرد من انتماءاتك الصغيرة، فإنك بشكل غير مباشر تقرر أن تعتنق المشترك العام، وعندما تنظر إلى هذا المشترك العام نظرة سلبية ضيقة، فإنك تضيق عليك في انتماءك، وتحكم على نفسك بالخضوع لتلك الدائرة التي تنتمي إليها، وهذا لا يليق بك بصفتك إنسانا بالدرجة الأولى، فأن تعترف بأنك إنسان فهذا يجبرك على التنازل عن انتماءاتك الصغيرة في مقابل اعتناق الانتماء إلى الكون، أما إذا اخترت الخضوع لانتماءك الذي وجدت عليه نفسك، فاختبار الانتماء إلى الإنسانية ستفشل فيه، لأن الخطوة الأولى للنجاح في هذا الاختبار هو أن تتحرر من انتماءك، وهذا التحرر ضروري لكي تنظر إلى الأمور من زاوية صحيحة.

#يتصدر_الآن

الدراسات الصومالية.. المدارس والمقاربات النظرية

الدراسات الصومالية هي عبارة عن فرع بحثي متعدد التخصصات من الأدب مرورا بالتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والدراسات الاسلامية ودراسات الفنون. فأنتجت الحقول مجموعة من الدراسات والمعارف المرتبطة على الأمة الصومالية.

440
  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة