قاسم زوجال
قاسم زوجال
278

ما أضيق العيش لولا فسحة أمل!

12/10/2018

في كل مرة تنهزم فيها ريال مدريد، يتساقط على هاتفي وابل من رسائل الشتيمة والتشفي فيما وصل إليه من كان يرش عطر الأمل، ويزرع البسمة على ثغور البائسين في بلدان العالم الثالث، ولأنني كريم في توزيع مثل هكذا رسائل، بدوري أقوم بتوزيعها على من يتقاسم معي الأمل والحلم نفسهما، لتلفح وجوههم سموم التشفي وتنشر في قلوبهم مزيدا من البؤس، لتضيق بهم رقعة العيش أكثر مما هي ضيقة، بعدما حلموا بمستقبل كمستقبل بنزيمة ينام ليستيقظ ويجد نفسه، اللاعب الذي لا تحركه سوء النتائج ولا تراجع مستواه في ريال مدريد، يغادر من يغادر، ويعار من يعار، وقد يغير الرئيس ولا يغير هو، ليبقى علامة على أن الدنيا حظوظ أكثر مما هي تتويج للمجد والمجتهد، هذا بالنسبة في بلد يساعد الناجح ليزداد نجاحا، فما بالك بمن يعيش في بلد لا يزال في طريقه إلى النمو، فإما أن بلداننا ضلت عن طريق النمو، وإما ظلت ليرتاع فيه المفسدون.


فريال مدريد تغير حاله من أحسن إلى أسوأ بين الموسم المنصرم وهذا الموسم، وهي علامة استغراب وتعجب، لأنه يتواجد في بلد يدعمون بها الناجح، ويرممون طريقه ليستمر في الطريق نفسه ليحقق مزيدا من النجاحات، لكنه كسر هذا المبدأ عندما غير أعمدة نجاحه لينهار على جرف العقم التهديفي وتلقي الأهداف في بداية المباراة أو نهايتها، كما هو الحال مع سيسكا موسكو، وألافيس الإسباني، هذا الأمر لو حدث في أوطاننا لهان الأمر واستساغه الجميع، لأننا ننسب إنجازاتنا لرؤساء بلداننا، وعند الإخفاق نعزوه إلى من دونهم في السلط، ويكأنهم معصومون من الخطأ، فالناجح في وطننا، إما نجح عن طريق ضربة الحظ، وإما أنه وجد طريق النجاح مفروشة كما ينبغي.


فقد يتساءل سائل، أو يقول قائل: مالنا ولريال مدريد ودول الغرب؟ ألم تعلم أن لهم دينهم ولنا دين؟! أجيبك فأقول: ارتمينا في أحضانهم لننس ما نعيشه في أوطاننا؛ فكرتنا أصبحت تلعب في الكواليس بدل الملاعب، ومنتخباتنا يمثلنا فيها من يدفع المقابل من المال، وليس من يستحق أن يمثلنا، وبطولاتنا أصبحوا يتعمدون نهايتها مع أعياد الاستقلال، لنحتفل بهذه الصدفة الغريبة العجيبة والتي لا تحدث إلا في بلدان العام الثالث، وهذه البلدان حسب مسؤوليها هي أفضل من فرنسا وأمريكا وكندا، كما قالوا لنا في الإعلام.

ارتمينا في أحضان الغرب، لأن كرتهم جميلة، نصفق لنجاحاتهم لأنهم على الطريق الصحيح، ونحزن على فشلهم لأنهم يشعرون بمآسينا، ليس كمن يتذكرنا في موسم الانتخابات وينسانا في باقي السنوات

وإعلامنا يصور لنا أراذل القوم هم أفضله، فيجب أن نقتدي بهم، وعندما تقتدي بهم يطالبون بسجنك؛ صوروا لنا مغنيا قدوة، فذهب إلى أحد البلدان الغربية واغتصب فتاة، فقام مريدوه في أوطاننا وقلدوا شنيعته، فخرج الإعلامم ليطالب بالإعدام لفتية فعلوا ما فعله قدوتهم، لكن الإعلام نفسه، هو من طلب البراءة للمغتصب الحقيقي في بلد آخر، صوروا لنا مطربة على أنها ذات حسن وجمال وطرب أصيل، وكرموها عدة مرات، فعندما قلدتها الفتيات نعتن بالعواهر، وتناسوا بأن ذلك كله بسببهم وبسبب تضليلهم للشعوب.


واقتصادنا انهار أكثر من أي وقت مضى، رغم امتلاك البحور، وآبار النفط، والثروات المعدنية بمختلف أنواعها، ومع ذلك لا زال شبابنا يقامر بحياته، إما الوصول إلى جنة الخلد في معتقده، أو يكون طعما للحيتان في أعماق البحار. ومستشفياتنا عبارة عن مستنقعات، تذهب لتعالج فيها على أبسط مرض، لتعود بأمراض مزمنة نتيجة الأوضاع الكارثية داخلها، أما إن أجريت عملية جراحية فيها، فاعلم أن مقصا أو إحدى أدوات الطبيب الجراح، سيضعونها لك مكان رئتك أو إحدى كليتيك.

وتعليمنا دائما في أدنى الرتب في العالم، لم يعد تعليما ينجب لنا فقهاء وعلماء أصحاب نظريات وأفكار، ك علال الفاسي، والمهدي المنجرة، وجدنا المختار السوسي، ونجيب محفوظ وآخرون _رحمهم الله جميعا_ بل أرادو تعليمنا كيفية طهي (المسمن والبغرير ولبريوات)، وتناسوا تعليمنا كيف نستخرج الذهب والفضة من المعادن، وكيف نقسم أرباح الفوسفاط على الشعب بأكمله، وكيف نستعمل البترول ونستخرجه، ولم يقوموا بتلقيح تعليمنا بلغات العلم كالعربية والإنجليزية. فأصبحنا نتزعم العالم في مجال السحر والشعوذة، وأصبحنا مضرب المثل في الرشوة وسوء التعليم، وأصبحنا من قادة العالم في مجال الإجرام وانعدام الأمن، وأصبحنا ننهزم في كل شيء لنقول هزمنا بشرف، أصبحنا نكرم الأجنبي ونذل ابن الوطن، وعندما يفكر ابن الوطن في الهجرة السرية، يتسابقون مع الحيتان إلى قتله.

هذا ما جعلنا أيها السائل نرتمي في أحضان الغرب، لأن كرتهم جميلة، نصفق لنجاحاتهم لأنهم على الطريق الصحيح، ونحزن على فشلهم لأنهم يشعرون بمآسينا، ليس كمن يتفكرنا في موسم الانتخابات وينسانا في باقي السنوات، نتابعهم لأن لديهم عدالة اجتماعية، وليس مثلنا الشخوص أنفسهم يتناوبونا على الحقائب الوزارية، فمن أجل هذه الحقيبة ذهب الشيوعي ليحج مع المسلمين، ومن أجلها حلق الإسلامي لحيته وتنازل عن مبادئ الإسلام، ومن أجلها أصبح الاشتراكي يفكر في مصلحة الجميع، حتى أصبحنا في مجتمع لا تميز فيه بين المنافق والصادق.

كل هذه الأمور جعلتنا نرتمي في حضن الغرب، لأننا نرى فيهم الإنسانية التي ماتت في أوطاننا، نرى فيهم الحنين الذي افتقدناه في بلداننا، نرى فيهم العدالة الاجتماعية التي غابت عنا، نرى عندهم العيش الكريم الذي نبحث عنه في مجتمعاتنا. فمن يقودون بلداننا، لم يتركوا لنا شيئا نزيل به همومنا ونتناسى أفعالهم المشينة، إلا الارتماء في أحضان الغرب، علنا نشعر بفسحة أمل جديدة نزيل بها هموم وغموم أوطاننا، بعد ما ضاقت مساحة العيش فيها. فكما قال الطغرائي في قصيدته لامية العجم:

أعلِّلُ النفس بالآمالِ أرقُبُها .. ما أضيقَ العيشَ لولا فسحةُ الأمَلِ

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة