سفيان الغانمي
سفيان الغانمي
1.2 k

دفء الحوار.. بين طارق رمضان وإدغار موران!

15/10/2018

لم يعد مجال للشك في أن العالم اليوم أصبح في حاجة ماسة إلى الحوار من أي وقت مضى، ليس هناك مشاكل يصعب التغلب عليها بالحوار، لكن السؤال الذي سيطرح نفسه، هو من هو المستعد لهذا الحوار، كثيرون هم يدعون أنهم من دعاة الحوار، لكن للأسف سرعان ما يتبين أنهم لا يعدوا حالهم أن يكونوا أصحاب مصالح شخصية لا أقل ولا أكثر، وبذلك فهؤلاء يجب قبل أن يفكر أحدهم في إصلاح مسائل الآخرين، عليه أن يفكر في إصلاح مشاكله النفسية أولا، فعلا نحن يجب أن نتخلص من أمراضنا النفسية قبل أن نفكر في معالجة قضايانا الراهنة، أو نتولى مناصب قيادية، أو إصلاحية.


هذه المشكلة ليست مقتصرة علينا، عربا ومسلمين فقط، بل هي تشمل كل متصدر لهذا الأمر، وهو ما يمكن التعبير عنه مجازا، محاولة إنقاد العالم من الألم، للأسف جميع من يتصدون للإصلاح لم يستطيع التخلص بعد من هذه الأمور، أو هو لا يضعها في حسبانه أساسا، مثلا هناك الكثير من الخلافات الفقهية في المجتمع الاسلامي، والفكرية، بل وحتى السياسية، يمكن أن نجد توافقا وتقاطعا بين قضاياها، لكن ممثليها للأسف مصرين على التناحر والتنابز، وهذا طبعا لا مبرر له علميا، لكن هذا نتاج أمراض النفس.


ونحن إذا تأملنا سنجد أن كل هذا الخراب والدمار الذي يحصل على هذه الأرض مصدره أمراض النفس، فليس هناك دين يدعوا إلى إلحاق الأذى بالآخرين، لكن الناس لا يمكن أن يفعلوا شيئا بدون مبرر، فهم دائمي البحث عن مبرر لنزوعاتهم الشخصية، فمثلا اليوم جميع الاستغلالات والاستعبادات للإنسان هي مستنكرة، بل ولا تفوت فرصة دون إدانة جميع الجرائم، لكنها للأسف مع ذلك تحصل، وفي الأخير أصحابها يجدون لها مبررا وهذا أمر مسلم فمهما بحث الإنسان عن مبرر فإنه سيجده لا محالة. وما دام أن الناس في ضفتنا يؤمنون بالدرجة الأولى بالدين، فإنه سيجد لهم مبررا من الدين، وفي الضفة الأخرى سيجد لهم ما يناسب ذلك.. الخ.

لا ينكر أحد أن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، لكن احذر الحديث معه عن شيء اسمه التجديد، أو التكيف مع الواقع، لأنه في هذه النقطة موقن تماما أن هذا التراث يجب أن يضل كما هو

ليس المسلمون وحدهم المضطهدين اليوم، وليسوا وحدهم الملزمون بإخفاء هوياتهم حتى لا يحتقرون في المجتمعات الأخرى، بل هناك الكثير من الشعوب، غير أن المسلمين ربما هم الذين ضلوا مرتبطين بشكل بارز بدينهم، في حين أن الآخرين إما انسلخوا هم عن ثقافتهم بإرادتهم، أو مجبرين على ذلك، لكن هل ضروري لكي يندمج المسلمون في مجتمع اليوم، هم مطالبون بالتخلي عن ثقافتهم؟ وهل لا بد من أن يضلوا متشبثين بكل موروثاتهم، وآنئد على العالم أن يتقبلهم بكل ما هم عليه، نحن للأسف ورثنا تقديسا غير مبرر لثقافتنا وتراتنا، دون أن نميز فيه بين ما هو مقدس، وما هو من اجتهاد وفهم الناس وبالتالي فهو قابل للغير من زمن لآخر، حتى يتكيف مع واقع الناس الذين يعيشون فيه.


مبدئيا لا ينكر أحد أن الدين الإسلامي صالح لكل زمان ومكان، لكن احذر الحديث معه عن شيء اسمه التجديد، أو التكيف مع الواقع، لأنه في هذه النقطة موقن تماما أن هذا التراث يجب أن يضل كما هو، فالتقديس الذي ورثه غير قابل للنقاش، وهو غير مستعد حتى للحوار، الذي ربما عن طريقه يمكن التمييز بين ما هو مقدس وما هو قابل للتغيير، لم أصادف إلا ناذرا ربما، عالم أو فقيه له مبدأ القبول بالحوار، حتى داخل المجتمع الإسلامي، فكيف بهؤلاء أن يقودوا جوارا بين المجتمعات، الحضارات، أو الديانات والمذاهب، مع العلم أن التراث الإسلامي لمن يطلع عليه فهو غني بنماذج تدعوا للحوار، لطالما وجدنا تعدد الآراء في المسألة الواحدة، وفي اعتقادي أن هذا أحد مظاهر الحوار.


وليس هذا فقط، بل القرآن نفسه دعا للحوار، وهذا أمر لا ينكره أحد، فمثلا هناك آية "وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ". والآيات كثيرة في هذا الباب، لكن للأسف المتبنين اليوم للتيارات الإصلاحية قلما تصادف صدقا وإخلاصا في دعوتهم، فهم إما ينتهجون هذا النهج، من باب أنه أصبح موضة العصر، أو أنه يذر أموالا لا أقل ولا أكثر، واسألوا أصحاب تخصصات من قبيل مقارنات الأديان وغيرها، لماذا هم يدرسون ذلك، أقل شيء سيقول لك أنه بذلك سيضمن الخروج من بين جدران هذا الوطن الملعون.


لكن في المقابل لا يمكننا إنكار أن هناك مجهودات وإن كانت فردية، إلا أنها تسعى جاهدة للتوصل إلى حوار صادق بيننا وبين الآخر، هناك نماذج كثيرة لكن للأسف ولأسباب سياسية تهدف إلى احتكار الفضاء العام، هؤلاء قرروا المكوث هناك، وإن كانوا هم بالأساس يحملون هم هذه الأمة، لكن للأسف وبسبب رواج الخطابات الشعبوية، والتي تجد سهولة في الانتشار، بسبب ما تتميز به من سطحية، فإن فكر أولئك لم يصل إلينا بعد، كما أن هناك مشكل اللغة وغير ذلك، لذلك ارتأيت الإشارة إلى نموذج نيرا في هذا المجال.


في سنة 2013 كان هناك لقاء غير منتظر بين مفكرين كبيرين في مراكش، هما الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي، إدغار موران، وبين المفكر الإسلامي وقائد التيار الإصلاحي طارق رمضان، يجب أن نعلم بداية أن هذان يمثلان طرفي نقيض بالنسبة لبعضهما العض، حيث أن أحدهما ذوا أصول عربية إسلامية، والآخر ذوا أصول يهودية، إذن فكيف سيجمعهما لقاء، لكن هم الإنسانية هو الذي وحدهما، رغم اختلافهما حتى في مشارعهما الفكرية بالنسبة لبعضهما البعض، لكنهما مع ذلك اجتمعا وتناقشا، حول قضايا جد حساسة، بل وتولد عن لقائهما حوار فكري مثمر، سيصدر لاحقا على شكل كتاب، قام بترجمته محمد صلاح شياظمي لأفريقيا الشرق تحت عنوان "خطورة الأفكار تساؤلات حول كبرى القضايا المعاصرة".


كان يدير الحوار الفيلسوف كلود هنري ديبور، تناولا عدة قضايا معاصرة، أو كما يحب أن يسميها أحمد عبادي قضايا حارقة، مثل: الله، الانسان، العلمانية، المرأة، القضية الفلسطينية، وقضية المضطهدين في الأرض بشكل عالم، الأوصولية، التطرف، القانون.. هناك قضايا كثيرة، لكن الجميل في الحوار أنه حوار منساب، غير محدد بأسئلة، أو محاور معينة، بل كان كل واحد مهما ينتقل من قضية لأخرى، وهكذا يستمر الحوار، الجميل فيه كذلك أنه يعطيك مثالا على إمكانية وجود حوار مثمر خلاف ما يحاول أن يروج له بعض العدميين، كان فعلا حوارا دافئا بين هذين المفكرين، والذي حمسني لمشاهدة باقي الحوارات بينهما على اليوتيوب حول مسألة الأخلاق.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة