عُلا مَروان
عُلا مَروان
1.5 k

أمة اقرأ تقرأ.. لكنها تزداد بمعرفتها جهلا!

20/10/2018

إنه الفن في كل شيء، حتى في تسخير المعرفة لتكوين الشخصية، أن تصنع المبادئ وتُشكل الآراء وتبني الحجج والبراهين. أن تناقش، تعترض، تنتقد، تبتكر، وتسافر عبر الأفكار. وإن كانت طريقتك في الحصول على المعرفة هي القراءة، فلا يمكن أن تتشرب الحقيقة إلا إذا امتلكت هدف واضح عند اختيارك لكتاب ما، أن تثري مجال تهواه أو لغرض أكاديمي.  ما يهم هو أن تقرأ لأنك تريد ذلك، ليس لجدول صارم وضع لك، ولا يتحقق المعنى الحقيقي للقراءة إذا أجبرت عليها، يجب أن تقرأ لأنك هناك صوت داخلك يقول لك اقرأ للفن الحياة، للإبداع، للخيال، للتاريخ، للحب.  

ما ينقص شبابنا العربي عند اختيارهم ما يقرؤون - وهم الفئة القليلة - أن أغلبهم يتبادلون الروايات ومعظمها لا تعرض فلسفة محددة ولا آراء متناقضة ولا حقبة بشرية معينة ولا معاناة شعب محدد، وهذا ما يعكس الخيال الفارغ للراوي. حديثي هذا ليس انتقاصًا لقيمة الرواية، إنما لتوجه شبابنا نحوها وهي ليست بمنزلة تمكننا من مقارنتها بروايات نجيب محفوظ أو كنفاني أو دوستوفيسكي أو كافكا. هذه الروايات تُكتب بهدف الكم لا الكيف، مثيلاتها لا يثري الأدب العربي، ولا تغني العقل بالأفكار ولا القلب بالإحساس، إنما هي دليل واضح على انحطاط الفكر العربي وفراغه. وكذلك حصر هؤلاء الروائيون الجدد حياتنا العربية المعقدة بعاطفة سطحية تجمع اثنين برابطة الحب المعدومة في وجداننا العربي، ألا نعاني من تشذرم وحروب وتخبط فكري، أليست هذه القضايا أولى بالعرض.  

لنأخذ مسارًا آخر من أزمة قارئنا العربي البارد، كمشروع أصبوحة 180، برنامج يهتم بجذب القرّاء الجدد، وهناك ترتيب معين لكل قارئ يعتمد على عدد الصفحات التي يلتهمها كل أسبوع، جيد خطوة إيجابية لا يختلف عليها اثنين. لكن في المقابل أنت تجبر على قراءة كتاب من رف مخصص للقراء، لا يجوز اختيار كتاب خارج النطاق، وتكون مجبرًا على قراءة ورد يومي مخصص. السؤال الآن، لماذا تصبح القراءة في نطاق هذا المشروع إجبارية، لم تجبر كل يوم، أتحقق من هذا الهدف السامي للقراءة؟ ماذا لو تخلفت عن قراءة وردي اليومي لظرف طارئ، أم من الطبيعي أن أتبع إجراءات بيروقراطية لأجمد عضويتي، ما الذي يجبرنا على هذه القوانين البالية والمملة والتي تحط من قيمة قراءة بنظري، وتجعلها شيء شبيه بعمل عسكري.  

إن اتجاه الشباب لحمل كتاب أمر جيد ويستحق التقدير، لكن اتجاههم إلى نظائر هذه الروايات المتهالكة والكتب البالية لا يعكس إلا رصيدهم الثقافي الذي يؤول إلى الصفر وإلى ما يطمحون إليه من طموح تقليدية> 

حتى كمية الكتب التي نقرأها لا تحدد مدى تعمقنا بفكرةٍ ما، كثير منا يقرؤون دون أن يمحصون ويتدبرون ما يقرؤون، وإن ناقشتهم بإمر ما فإن أفواههم تسمع ما حفظته كمن يتقيأ الطّعام نيئًا. إن امتلكت الوقت المناسب اقرأ، إن وقع بيدك الكتاب المناسب أقرأ، أنت لست آلة يحدد لك ما تقرأ وكم تقرأ، هذه قراءة مجردة لا تحقق هدفها، القراءة نشاط روحاني حالها كحال الصلاة ليست بالأهمية طبعًا، إنما بالكيفية. كم من مرات أجبرنا على الصلاة ونحن أطفالًا، ما أحسسنا بأهمية الصلاة إلا بالأيام التي صلينا فيها استجابة لنداء خفي من داخلنا.  

إن ما نقرأه اليوم والهدف من وراء قراءتنا هو ما يحدد جوانب كثيرة من شخصيتنا، وهو انعكاس للكتب الحديثة التي تُنشر والتي تُكتب بهدف جمع القراء لا الإثراء. إليكم كتاب (زحمة حكي)، لا أدري أصلًا لم يُقال عنه كتاب، أنه لا يعكس تجربة في الحياة الصاخبة أو فلسفة أو قضية ناضجة، حتى لا يحوي معلومات مجردة من التاريخ والسياسة أو الفلك أو أي شيء آخر. إنه فقط آراء كاتب عشوائي، لا يمتلك قضية، سمحت له مبادئه أن يكتب بلهجة عامية ليزيد من الأمر انحطاطًا، ولعله يناقش أمر فعلي، فقط كلمات منثورة. الأمر لم يبدأ من هنا فالكاتب يمتلك قاعدة جماهيرية ضخمة تصل لملايين، أغلبها شريحة الشباب وجلّهم إناث، هن اللواتي يشاركن في ترويج هذا الكتاب وينشرن اقتباساته مطبوع عليها كلمة "بجنن".

هذا في الحقيقة لا يعكس إلا عقولهم الفارغة التي تبحث عن فراغ يملئ فراغهم الأصلي، وهذا ليس إلا لضعف التوجيه من العائلة أو مدرسة أو ربما هي محاولة للتأقلم مع المحيط سعيًا لإثبات الشخصية. إن اتجاه الشباب لحمل كتاب أمر جيد ويستحق التقدير، لكن اتجاههم إلى نظائر هذه الروايات المتهالكة والكتب البالية لا يعكس إلا رصيدهم الثقافي الذي يؤول إلى الصفر وإلى ما يطمحون إليه من طموح تقليدية لا تمس دائرة الإبداع والابتكار، وإن آراء شبابنا اليوم بشتى المجالات لا تشير إلا على تخبطهم الفكري وفراغ عقولهم وضيق خيالهم.

الشباب لا يستمدون مما يقرؤون وإن كان شيئاً ذا قيمة معتقدات ولا مبادئ أو سنن كونية، ما هو موجود يأخذونه لا يسعون للابتكار والتجديد. مما يؤدي ذلك إلى تشابه الشخصيات ومحو الاستقلالية الفردية، وإلى مجتمع راكد لا يؤيد الاختلاف، يرى منه عاهة لا كمال ولا قوة. تلك الشخصيات نفسها هي التي تميل إلى تقديس الحاكم سواء طاغية أو غيره، وتثني عليه إذا قام بواجبه، وترى أخطائهم صوابًا، وتعتمد في اتخاذ القرارات على أساس العاطفة لا العقل والمصلحة العامة والحاجة. نهايةً، ألا يجدر بنا أولًا أن نوجه أطفالنا وشبابنا قبل لومهم، نحن حقًا الآن لا نجد في ساحتنا العربية قدوة مثالية إلا وزُج بها في السجن، حتى أصبح من يطفو على السطح هي الأجسام ذات الكثافة القليلة، أي أقّلُها زخمًا بالأفكار وحبًا للحياة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة