أحمد درويش
أحمد درويش
818

الشباب والقيادات.. زوبعة مبادئ ذابت في فنجان المصالح!

22/10/2018

في بداية الأمر أحب أن أشير إلى أن أحد أهم المسلمات والبديهيات التي تتفق عليها كافة الجماعات التي تنتمي إلى الصحوة الإسلامية منذ الثمانينات وحتى وقتنا الحالي، هي أنه لا تقدم ولا ازدهار داخل إطار الحركات الإسلامية دون جهود الشباب وتكاتف سواعدهم جنبًا إلى جنب قيادتهم التي تستمع إليهم دائمًا، حتى وإن كانت لا تأخذ بآرائهم في معظم الأحيان، ولكنها على أقل تقدير تستمع لآرائهم وتسعى جاهدة لأن تحافظ على قاعدتها الشعبية التي تمثل الطبقة الذهبية في ذلك البناء الهرمي العريق، الذي لا حديث عن نجاح أو مقياس للتقدم والتطور دون استكمال طبقاته كاملة دون خلل أو نقصان.

الطبقة الذهبية.. الشباب والمستقبل

لا أبالغ إن قلت أن فئة الشباب لا يمكن وصفها بأقل من كونها طبقة ذهبية في أي بناء أو كيان أو مؤسسة أو جماعة أو حزب أو دولة تسعى لاستعادة مجدها ورونقها وازدهارها الذي سُلب منها، ولكن برغم أهمية هذه الطبقة وهذه الفئة من نسيج المجتمع، إلا أننا نرى ونسمع ونشاهد العديد من أشكال التجاهل لهذه الفئة التي لا يمكن النجاح والفلاح بدون الاستناد إليها شئنا أم أبينا!

فبعد ثورات الربيع العربي بشكل عام وبعد الانقلاب العسكري في مصر بصفة خاصة، ظهرت لنا الكثير من الخفايا التي كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث الطامة الكبرى والمصيبة العظمى، ألا وهي انفلات الشباب الإسلامي من عباءة الجماعات التي كان ينتمي إليها، وعندما أردت الوقوف على أسباب ذلك وجدت أسبابًا لا أستطيع حصرها في هذا المقام، ولكن لعل أبرزها كان ذلك التجاهل وعدم الإنصات والتهميش المتتالي لهذه العصبة النقية الطاهرة التي تقوم عليها الدعوة والحركة في ساحة الصحوة الإسلامية والتي لم تتلوث بعد بالغرف المغلقة المشبوهة.

الفاجعة الكبرى.. الإلحاد والانحلال

لم أقف كثيرًا على الأمر حتى عاينت بنفسي العديد من المآسي حينما وطأت قدماي أرض إسطنبول الزكية، وشاهدت وحكى لي البعض عن شبابٍ لم يكن همَّهم في يوم من الأيام سوى الدعوة إلى الله، وإذا بهم الآن في أماكن اللهو والعصيان وصالونات الكفر والإلحاد، فإذا أردت مقابلة أحدهم فعليك إذًا أن تهُمَّ بالذهاب إلى إحدى الملاهي الليلية أو أحد الصالونات التي لا شغل يشغلها سوى زعزعة عقيدة الشباب بربهم عن طريق استغلال فقدان ثقتهم بمن كانوا يومًا من الأيام قادةً يقتدون بأمرهم ومربينَ ينتصحون بنصحهم.

قادة جدد.. بنكهة فاسدة
بجانب ابتعاد الشباب عن النصيحة ومشورة المربين، فقد ارتكبوا خطأً جسيمًا في حق أنفسهم بترك أنفسهم لشهواتٍ وشبهاتٍ تأخذهم يمنةً ويسرةً بين جحافل العصاة وزناقدة الكفر والإلحاد

ومما زاد الطين بلة ومن العجب العجاب أن ممن يتم تقديمهم للجمهور على أنهم قادة لحراكٍ ثوريّ ممن يغلب عليهم الانتماء للحركات الإسلامية والغير إسلامية، ترى فيهم مفاسد لا شأن لصفات القادة بها من قريب ولا من بعيد. فقد رأيت أناسًا بقلوب ذئابٍ مفترسة على هيئة بَشَر، لا شغل لهم سوى التفنن في صنع جيلٍ من الشباب يتقن التسول لسيده؛ لكي يعطيه في بداية كل شهر راتبًا يستطيع أن يقتات منه ويعيش فقط دون أن يدخر أو أن يشرع في بناء مستقبله لا سمح الله، كما سلك هؤلاء القادة _المنتسبين لتلك الصفة زورًا وبهتانًا_ أسلوبًا رخيصا جعل من الشباب أفرادًا يجيدون التزلف والتملق والمجاملة والتصفيق الحار على الصغيرة قبل الكبيرة؛ طمعًا في منصب ٍشرفيّ أو زيادة راتب أو شهادة تزكية تفتح له الأبواب فتحًا أمام هذا الصراع الغير منتهي في سوق العمل الضيق على العرب في غربتهم الأليمة.


زوبعة فنجان.. وشرابٌ سام

ولإن كان ما ذكرته من قبل كارثة كبرى في تاريخ صفحات ناصعة لشباب التيار الإسلامي إلا أنني أؤمن بأنها زوبعة فنجان طويلة الأمد أقرب ما تكون إلى شرابٍ سام جعل من شاربه مريضًا في حالة حرجة تستدعي أن يتم نقله وفورًا إلى غرفة الإنعاش ثم إلى العناية المركزة، ولإن كان الأمر يحتاج إلى تدخل مباشر من الطبيب إلأ أنه الأمر يحتاج إلى عزيمة قوية أيضًا من المريض للتخلص من ذلك السم وتحمل مرارة الدواء الذي غالبًا ما يكون مذاقه مرًّا، لا عسلًا حلوًّا صافيًا.

فقد قال المولى سبحانه وتعالى في محكم تنزيله في سورة الرعد "إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ"، كما أخاطب من كانوا يومًا يتصدرون أمام الشباب بعزائم يملؤها الإيمان والجد بلا كلل ولا ملل، أين أنتم من حديث النبي المختار صلى الله عليه وسلم حينما قال في الصحيحين عن معقل بن يسار رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "ما من عبد يسترعيه الله رعية، يموت يوم يموت، وهو غاش لرعيته إلا حرّم الله عليه الجنة" أخرجه البخاري في كتاب الأحكام، باب من استرعى رعية فلم ينصح برقم 7150، ومسلم في كتاب الإيمان، باب استحقاق الوالي الغاش لرعيته النار برقم 142. 

كفر بالقيادات.. أم إلحادٌ بالواحد القهار

لا أقول أن سبب انحراف الشباب عن طريق الجادة وضلالهم يقع على عاتق خطأ القيادات وحسب، وإلا يكون ذلك ظلمٌ بَيِّن في الحكم وادعاء يقترب من الخطأ أكثر منه إلى الصواب، ولكنني أقول أنه أحد الأسباب الرئيسة في الوصول لتلك النتيجة النكراء، التي لا يتحرك جفنٌ من أحد متصدري المشهد الآن لأجل حلها أو التفكير في شأنها رغم عظم حجمها وثقل أثرها على صحوتنا وطريق جادتنا، ولكي أقترب من الإنصاف في الطرح أقول أنه بجانب ابتعاد الشباب عن النصيحة ومشورة المربين، فقد ارتكبوا خطأً جسيمًا في حق أنفسهم بترك أنفسهم لشهواتٍ وشبهاتٍ تأخذهم يمنةً ويسرةً بين جحافل العصاة وزناقدة الكفر والإلحاد.

الاختلاف في الآراء السياسية كان أهم عنصر لتلاقي ذلك الانفصال الحاد بين الشباب والقادة في منتصف الطريق وسلوك كل واحد منهما طريقًا لا يمت بصلة لذلك الطريق الذي تعاهد كل منهما يومًا ما على سلوك

رويترز
 

ولتتمة الأمر والوقوف على أبجدياته البسيطة بلا تعقيد ولا سرد مطول ينزع الفائدة المرجوة منه، يجب اعتراف كل ذي خطأٍ بخطيئته وزلته، والنظر بعين العقل والبصيرة المستنيرة بهديّ القرآن لمآسي المسلمين اليوم لا أقول في الشرق الاوسط وحده، ولكن إن شاء كل طرف من الطرفين أن يعلم أين هي مآسي المسلمين، فإنه يكفيه أن يعصب عينيه ويضع اصعبه بشكلٍ عشوائي على أي منطقة في الخريطة التي تجمع دول العالم كافة، فإن فعلوا ذلك فإنني يغلب على ظني أن أصابعهم سوف تقع على ساحة حرب يمتلك فيها الخصم وحده السلاح والقوة والعتاد، وأعتقد أن ذلك سيكون كافيًا لإيقاظ الغفلة التي قتلت ذلك التعاطف والإحساس بالتقصير تجاه إخوانهم في شتى بلدان العالم الإسلامي إن كان في القلب نبض أو بقايا رماد مشتعل يمكن استعادة لهيبه إثر صرخة من مسلمةٍ شريفة نقية في مجاهل إفريقيا أو دمعة حزينة من طفلٍ فقد والديه أو أحدهما في إقليم أراكان، أو تألم وتأوه من رجل شيَّبه قهر الرجال في بلاد الصين التي لا ترقب في مؤمنٍ إلا ولا ذمّة.


وبعد كل ما قيل وسوف يُقال في هذا الخلاف بين عمودين أساسيين لا يمكن الاستغناء عن أحدهما أو تجاهله في مسيرة العمل الإسلامي، أكاد أجزم أنه لا سبيل لكلٍ من قادة العمل الإسلامي في كافة بلدان العالم العربي سوى الالتقاء مع قاعدتهم الشعبية العريقة التي يمثلها عنصر الشباب، الذي ما فتئ يحمل كل صفاء وود وحرص على نصرة إخوانه في كافة بقاع الأرض وحمل همومهم المفجعة.

السياسة ومنزلق التفرقة

مما لا شك فيه أن الاختلاف في الآراء السياسية كان أهم عنصر لتلاقي ذلك الانفصال الحاد بين الشباب والقادة في منتصف الطريق وسلوك كل واحد منهما طريقًا لا يمت بصلة لذلك الطريق الذي تعاهد كل منهما يومًا ما على سلوكه، فكل فريق منهما يمكن القول بحقه أنه لا أرضًا قطعَ ولا ظهرًا أبقى!

ولإن كان للسياسة ذلك الدور في التشتت والتشرذم فهذا ليس لعيبٍ بها أو لفساد أصلها كما يدَّعى بعض المروجين للمخدرات الفكرية بترديده تلك المقولة الفاسدة عقلًا وعرفًا ومنطقًا أن "السياسة نجاسة"، وإنما ذلك عائد لضيق أفق لدى أحد الطرفين أو لدى كليهما، والقول الحاسم في هذا الأمر أن الشورى تكفينا في مثل تلك الأحداث والنوازل التي تلمُّ بنا، ولو كان التطبيق للشورى كان قد حدث كما أمرنا ديننا وكما فعل قدوتنا ومعلمنا الأعظم النبي المصطفى العدنان، لما وصلنا لتلك الحال ولا لتلك الفاجعة التي لا يشعر بها سوى القليل ولا يتحرك لشأنها سوى المخلصين القلائل من تلك الأمة التي يسري فيها تيار الحياة النابض بنبضة لا يستطيع الجميع سماع دقاتها بسهولة ويسر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة