النور عادل
النور عادل
511

مأزق الرواية العربية.. لهذه الأسباب تنتشر القصص التي تصيبنا بالمغص!

22/10/2018

تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة، ضعف وتقهقر ينتاب القصة والرواية العربية الحديثة، ولعل من المفمن واللائق أن نتحدث في حدود إطار جغرافيا الوطن العربي، الذي هو في حدود إطلاعنا وبحثنا المستمر عن منتوجاته في المكتبات والأسواق وعلى الأرض. فهذا نعرفه ونقدر على رصده ولو بالحد الذي يتيح لنا الكتابة عنه في شكل نقاط نرى أنها مهمة بل وصرخة في واد يقفز فيه كل يوم المزيد من القراء والمؤلفين الجدد على حد سواء لكنهم يكررون نفس الاخطاء. وبدلا عن محاولة القفز للعالمية التي تبهرنا كل يوم بمنتوج يضاهي العالمين قوة ومتانة وجزالة، فالأفضل لنا أن نتأسى بالوحي الرباني (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ).


برأينا أن من أهم أسباب ضعف القصة والرواية العربية اليوم:
أولا: ضعف الكتابة باللغة العربية لدى كثير من الكتاب والمؤلفين، من المؤسف أن تجد كاتباً ناطقاً بالعربية بل هي لغته الأم ولكن كتاباته تعاني من الأخطاء الإملائية الواضحة دعك من النحو والصرف وأساليب البلاغة، فقط كتابة عربية بإملاء صحيح، ولعل هذا الضعف زاد مؤخرا مع شيوع الكتابة عن طريق الحاسوب بدلا عن الكتابة على الورق والتي على صعوبتها للكثيرين وأنا أحدهم، الا أنها تعتبر من أفضل مدعمات الإملاء والكتابة الصحيحة، وهي تقليدية لكنها نافعة ونتائجها تؤتي أكلها لو واظب عليها الكاتب. وبالطبع لا تجتهد كثير من دور النشر في التدقيق الإملائي ولا تعطه ما يكفي من الوقت للمراجعة خاصة لو كان المؤلف عجولاً مترددا على دار النشر أكثر من تردده على نصه بالمراجعة، ويريد اللحاق بأقرب معرض للكتاب قادم، وهذه مصيبة لحالها تحتاج لمقالة كاملة.


ثانياً: أظن بصورة عامة أن الكاتب العربي وخاصة كاتب السرد القصصي والروائي، يعاني من نفس إشكالية مواطنه العادي، وهي قلة القراءة وضعف الثقافة والاطلاع العام، فلا يمكن ان تتكرر نفس الأفكار ونفس الأسماء ونفس الأحاسيس ونفس الأساليب في نطاق جغرافيا الوطن العربي ان لم يكن هذا ضعف في القراءة كفعل روتيني يومي يجب على المؤلف أن يمارسه كممارسته الأكل والشرب وحتى لو قلنا يواقعه الفينة والأخرى كمواقعته زوجته، فقلة القراءة تسبب عسر التأليف، فمن أين تأتي الفكرة لذهن خاوي؟! وضيق القراءة في مجالات محددة يسبب التكرار ويدعو للملال، وهذا ما وقى الله منه كتابنا الأوائل، المرموقين منهم أعني، كـ (الطيب صالح والعقاد ومعاوية محمد نور) على سبيل المثال لا الحصر، وكل من تفكر فيهم الان من كتاب جيل القرن التاسع عشر وبداية العشرين، فقد كانوا موسوعيين يقرأون حتى في علوم لا علاقة لها بالأدب، يقول الأستاذ (معاوية محمد نور) أنه قد خطرت له ذات يوم أن يقرأ مكتبة الجامعة آنذاك، وقال أنه أحيانا تجده يقرأ في الفيزياء وتارة يقرأ في علم النفس ومرة يقرأ الهندسة وفي فيزياء الكم والكوانتم. وهذا غير القراءة والاطلاع باللغة الإنجليزية واللغات الأجنبية هذا أرق لا يجب تذكره الان حتى لا نضيق الخناق على الكاتب العربي.


كثيرة هي المنتوجات التي تحاول أن تقلد كبار المؤلفين وأن تنتج من أول قصة أو رواية نصاً يقنع القارئ أنه نص عالمي، فقط لأنه يقلد ويحاكي أسلوب مثلا الأديب (الطاهر وطار) الاشتراكي الغيور

ثالثاً: شيوع العامية، وهي أخطر أسباب ضعف القصة والرواية العربية برأينا، فأنا كمواطن سوداني كيف لي ان أفهم نصاً مكتوباً (كله) بعامية مصرية؟ وهذا ما وقفت عليه شخصياً في معرض القاهرة للكتاب قبل أعوام قريبة، إذ كنت أقرأ العنوان لمؤلف أول مرة تقع عيني على اسمه فأظن أنه مؤلف جديد يستحق القراءة له، ولو من باب التشجيع له أن يواصل ولا يفتر ولعلي أحظى بمؤلف جديد أكثر براعة من غيره، لكنني أصطدم بأن المؤلف العزيز قد آثر أن يكتب فقط للمصريين بعاميتهم!

 

وبرغم أنني بحكم النشأة عشت في مصر سنوات عديدة وأفهم العامية المصرية إلا أنني أرثي لحال الكاتب الذي حكم على نفسه بالمحلية وعلى نصه بالبقاء داخل حدود جمهورية مصر العربية، فمن ذا الذي يجهد نفسه لتعريب نصه فضلاً عن ترجمته؟ّ! وقل مثل ذلك على بعض كتاب المغرب العربي ولا أنصحك حتى بأن تجرب أن تقرأ النص العربي (المفرنس) هذا لا يصدق.


رابعا: التقليد والمحاكاة، فكثيرة هي المنتوجات التي تحاول أن تقلد كبار المؤلفين وأن تنتج من أول قصة أو رواية نصاً يقنع القارئ أنه نص عالمي، فقط لأنه يقلد ويحاكي أسلوب مثلا الأديب (الطاهر وطار) الاشتراكي الغيور والذي كان مهموماً بالحرية والنضال، تقرأ نصاً يجتهد كاتبه في تتبع أدب (ديستوفيسكي) لكن بلغة عربية متعبة، ضارباً عرض الحائط بانتفاء كل سياقات روسيا وطبيعتها القاسية وتعدد قومياتها، فقد يكون الكاتب مثلاً سعودياً لكنك تلحظ تأثره ببيئة الكاتب الإسكندنافي الهادئ والبارد، المتأمل العميق في تساقط الثلوج، برغم أن الثلج لا يسقط في الصحراء العربية للحجاز ونجد.

 

بل يذهب البعض بعيداً ويتجاوز التقليد إلى السرقة والتحوير وليس مجدر التناص البريء أو تقاطع الفكرة والخاطر وربما مطابقة النص، يعتقد بعض السذج من لصوص النصوص خاصة من الشغوفين للشهرة والجوائز، أنه لو جاء بنص فائز بجائزة عربية أو أوربية ثم قام بالكتابة متبعاً بنيته الأساسية مغيرا ومعدلاً في الأسماء والأماكن والشخصيات، يظن أنه ببساطة سينال نفس حفاوة النقاد بل سيقع عليه الحظ ويكرم في النسخة القادمة من الجائزة! بل بعضهم لا يستحي من نشر العمل والتنويه به في وسائل التواصل كأنه فتح وإنجاز يخصه ومن صميم فكره وجزيل أدبه، ومؤخراً قد كثر هؤلاء اللصوص وبصورة تدعو للحسرة على كم الغباء غير المعقول.

خامساً: تكرار نفس الثيمات المألوفة، وضعف التناول المغاير من خلال العمل الجديد، لن نجازف ونطالب بأن يكتب المؤلف فكرة لم تخطر على قلب مؤلف قبله، فقد مضى زمن الدهشة مع الكبار والأفذاذ من رواد الأدب العالمي في العالمين العربي والغربي، فمن ذا الذي أتى بعد (أوريل) ليدهش العالم بنص عن الإنسان والاستبداد ولكن في حظيرة حيوان؟!

 

ومن الذي سيكتب عن حيرة واضطراب العالم وظلماته ودجل الإنسانية الحديث مثل (كافكا)، من الذي يطوع الحروف ليكشف القناع عن مدن الملح والرمال وعن عالمنا العربي الذي ظاهره الرحمة وباطنه العذاب والخراب مثل (المنيف)، لكن يلاحظ بجانب تكرار ثيمات كالجنس مثلاً أو الحيرة أو ثيمة الإنسان الغريب وقصص المهجر، نجد أن الثيمة لا تخترق النص لأكثر من حدود المتوقع لها في بنية العمل بل وربما من المقدمة تستيطع ان تتعرف على الخاتمة.

 

تتفشى في بعض الأوساط الأدبية ظاهرة الناقد المجامل المهادن، لناقد عطوف شفوق، لا يحب بطبعه الأبوي أن يجرح مشاعر الآخرين خاصة من جيل المؤلفين الشباب فالبركة في الشباب كما يقال

مواقع التواصل
 

مطالب المؤلف العربي اليوم بأن يبدع في تناوله وأن لا يستند على زخم الثيمة وجرسها القوي وكثافة ما تبثه في روعه كل ليلة باردة هانئة من تفاصيل وأفكار وحوارات، كل مؤلف بل حتى كل مدون على مواقع التواصل الاجتماعي المختلفة يتمتع بوحيه وإلهامه الذي يؤزه كل حين ليكتب ويؤلف ساخراً من واقعه او حزيناً لأجله أو أي شكل من أشكال التفاعل البشري، لكن المحك والإبداع برأينا هو أن تبهرني كقارئ بتناول مختلف حتى لو جاءت النهاية متوقعة لا ضير قد يحدث ذلك، لكن أبهرني أنك لا تتكرر بل تتجدد، وأنه يرجى منك في عمل قادم.


سادساً: تراجع النقد، وهذا لوحده لا يكفيه مقال أو مقالين، لكن من أهم عوامل ضعف السرد العربي عامة، هو ضعف الحركة النقدية والمشاريع النقدية الجادة، وتقاصرها عن اللحاق بكثافة المنتج الأدبي، فقد صار كل من امتلك نصف موهبة وعدد متابعين كثر على التواصل الاجتماعي صار نجماً فقط بكثرة المعجبين ولو كانوا لا علاقة لهم من قبل بالأدب.

 

من ناحية أخرى تتفشى في بعض الأوساط الأدبية ظاهرة الناقد المجامل المهادن، لناقد عطوف شفوق، لا يحب بطبعه الأبوي أن يجرح مشاعر الآخرين خاصة من جيل المؤلفين الشباب فالبركة في الشباب كما يقال، فتقرأ في إحدى الصحف أو المواقع قراءة نقدية، أو مقدمة بلاغية مزخرفة ببعض مصطلحات النقد العتيقة، لنص ما، فتظن أن النص كتبه (غارسيا ماركيز) من قبره، تتلهف لمطالعته، تجده في السوق أو الشبكة لو كان المؤلف سخياً في نشره مجاناً ليعم العالم نوره، ما أن تطالعه حتى تصاب بعسر في الهضم بقية اليوم وكمٍ من المشاعر السالبة التي لا تفسير علمي مؤكد لها سوى أنك قد ضُللت من قبل ناقد مدفوع مسبقاً بخطابات الشكر أو بظرف نقدي لكي يقوم بحضور محفل تدشيني لقصة جديدة، تصاب بالكآبة وانت تقرأ قراءة لم يحصل على ربعها حتى كبار المؤلفين، وهذا مأزق أخلاقي للنقاد المتأخرين، فبعضهم يملك أداة النقد، لكنه مجامل، يجرحك أنت بعد أن تقرأ مقالته عن الرواية. لنرتقي بسردنا العربي لا بد من نقده وبقوة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة