أسامة حمامة
أسامة حمامة
536

الحب في عصر العولمة!

29/10/2018

يكفي المرءَ أن ينتقل بين العُدوتين على متن الترام ليعاين موجة الفردانية التي اجتاحت مجتمعنا، الكل مسمّر أعينه في شاشة الهاتف أو شاغل عقله بسماعات الأذن، كأننا بذلك نلغي وجود الآخر ونفضل التقوقع في عالم افتراضي بئيس عوض محاكاة الواقع الملموس، أنا شخصيا لست ضد استعمال الشبكات الاجتماعية أو سماع الموسيقى كوسيلة للترفيه، لكن هذا النشاط يصبح خطيرا عندما يشغل معظم أوقاتنا، فنقتل بذلك مهارات التواصل الإنساني والقدرة على التفاعل خارج الفضاء الإلكتروني.
 
الإدمان على الويب جعلنا أشبه بالتماثيل أو الروبوتات، نتصرف طبقا لما تشبعت به عقولنا من محتوى نراه على الإنترنت، بل صرنا نبني آراءنا حول قضايا معينة معتمدين فقط على ما يصادف طريقنا من أخبار مشكك في صحتها، ونتجرأ أحيانا على تصديق بعضها رغم معرفة احتمال لحاق الزيف بها. ولعل أهم الآثار السلبية التي تنعكس على مجال العلاقات الاجتماعية بسبب هذا الهوس الكبير بالسوشيال ميديا، هو تغير طريقة رؤيتنا وإدراكنا للحب، فهي تغدو سطحية مع توالي الأيام.

  
أبرز ما يساهم في ترسيخ تلك النظرة الخارجية البسيطة للحب يتجلى في ما ألفنا قراءته على مدونات الويب ومشاهدته عبر شاشات التلفزيون من قصص وردية خيالية تُقدّم حالة الحب بشكل، رغم أنه مبتذل، لكنه يدفعنا من فرط جماله لتصديق قابلية تحققه، بل نجازف باتخاذه معيارا لما نبحث عنه في الشريك المحتمل، تلك الرومانسية الثابتة والروح الهادئة النموذجية التي لا نجد أثرها إلا في أبطال الروايات وأشعار العشق.
 

قد نلتقي أناسا عبر الشبكة العنكبوتية، ثم نتعجل في إغراقهم بالود والاهتمام، ليصعب علينا أحيانا التعايش مع ابتعادهم وقد كان يجمعنا بهم ود كبير، حين ينقلب الحب والهناء إلى برودة وجفاء

إن المشكل الذي نتخبط فيه يتجاوز إيماننا الساذج بوجود حب مثالي، لأن المثالية ليست في العثور على شخص يناسب الجميع، خلافا لما يتصوره العديد من الناس، بل هي في إيجاد شخص يناسبنا نحن فقط؛ هنا تكمن بؤرة المعضلة، لأن "الشخصية المثالية" التي نحاول إسقاطها على الآخر نُدخل فيها اعتبارات تفوق ما يمكن أن يجتمع في كائن بشري، نريد شريكا يعجبنا ويعجب الآخرين أيضا، لا تهمنا شخصيته لوحدها إذا لم تقترن بوجود رصيد مادي بعيد عن العواطف والمشاعر، يكون كفيلا بإتمام رسمة الفارس النبيل المحبوب لدى الجميع أو لملمة قطع أحجية الصورة المقطوعة، التي ستبقى ناقصة دائما ما دمنا مصرين على حتمية اكتمالها بأشياء نخالها ضرورية، لكنها عكس ذلك تماما.

نتمناه رومانسيا، مثققا، خلوقا، وسيما، طويلا، صوته جميل، غنيا، لا يشخر ليلا، ويحسن الطبخ، حسن الطبع والمزاج، أنيقا، متدينا، مطيعا، خفيف الظل،... كل تلك الشروط الحالمة جدا، تقيّد ذواتنا وتجعلنا نحصر رقعة الضوء في مجال شديد الضيق، فلا نسمح لأنفسنا بالتعرف على الآخر ولا نعطيه أيضا فرصةَ التعرف علينا، نقمعه عند أول لقاء فقط لأن واحدة أو بعضا من شروطنا التافهة لا تتوفر فيه. ولكي نكون منصفين، وجب أن نتساءل إن كنا نحن أصلا مناسبين لذلك الشخص أو أي شخص آخر، لماذا نزكي أنفسنا بطريقة تجعلنا "نعتنق مثاليتنا"، فنطور بذلك نظرة فوقية من أعلى برج عاجي سيتداعى بمرور الزمن، نفترض دائما أن الآخر من يجب أن ينضبط ويتوافق مع مقاييسنا الحقيرة. ذلك التركيز في أدق التفاصيل وكثرة النقد والتحليل تفوت علينا مصادفة الحب الحقيقي، هذا إن كنا في المقام الأول نبحث عن الحب.

من جهة أخرى، قد نلتقي أناسا عبر الشبكة العنكبوتية، ثم نتعجل في إغراقهم بالود والاهتمام، ليصعب علينا أحيانا التعايش مع ابتعادهم وقد كان يجمعنا بهم ود كبير، نغوص في دوامة من التساؤلات حول أسباب هجرهم المفاجئ رغم أن الأمور كانت بخير، نحاول إدراك سر ذلك التعقيد في النفس البشرية، تلك النرجسية المباغتة، حين ينقلب الحب والهناء إلى برودة وجفاء. قد يكون السبب منا وقد يكون من الطرف الآخر، قد نكون ضحايا رغبة مؤقتة في ملئ فراغ عاطفي، أو ربما نحن مذنبون بالتسرع في اختيار الشريك دون الانتباه إلى أن هذا الأخير أراد فقط التسكع في أرجاء المطار قبل استقلال الطائرة التي ستقله إلى وجهة أخرى، ولم يردنا حقا رفقاء في الرحلة. 
 
نمضي الليالي بين الحزن على فقد ذلك العزيز وبين التفكير في الخطط الوردية التي نسجناها في عقولنا لما كنا ذات يوما معاً. كيف لكل تلك الأحاسيس الصادقة أن تذهب أدراج الرياح، أحاسيس كانت تلف قلوبنا وتحميها، فلما تمزقت، إذا بأفئدتنا عارية تئن من صقيع الفراق، تبدأ بالتجمد شيئا فشيئا، لتصبح من فرط الألم قاسية صلبة، ونصبح نحن حذرين، كي لا نعيد ارتكاب خطأ الوقوع في الحب مرة أخرى.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة