عمرو مسعد
عمرو مسعد
237

عن الهزيمة المصرية وانتصاراتها!

30/10/2018

توتر يشمل كل جبهات القتال بالقناة.. العرب يطالبون بزيادة أسعار البترول.. الصهاينة في ذهول.. مداهمات هنا وهناك.. كانت تلك أبرز أخبار صحف يوم السادس من أكتوبر لعام 1973. خمس وأربعون عاماً مضت.. ويظل نصر أكتوبر، رمزاً للفخر والعزة لكل المصريين والعرب، فكانت عنواناً للتضامن العربي حينها. حيث توحدت الأمة العربية على نحو لم يكن في التاريخ العربي يوماً. العرب جنباً الي جنب على حد سواء، الكل يحارب، الكل يقف في وجه طغاة الأرض.. صفوف المقاتلين صامدة على الجبهتين المصرية والسورية.. إلى جانب تفاعل الشعوب العربية معنوياً ومادياً مع حملات دعم المجهود الحربي، واستخدام سلاحاً كان الأول من نوعه في حرب كهذه، فكان النفط العربي سلاحاً لم يكن يتوقع الغرب شدته.

حرب السادس من أكتوبر

وصفها المؤرخون بأنها الحرب الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، فقلبت موازين القوى وأبهرت العالم، لتنشأ القصة من هنا. في عهد ناصر عام 1967، نكسة عربية وهزيمة مصرية شهد لها التاريخ، فتسقط سيناء وغزة والجولان بيد إسرائيل ويتبعهم الضفة والقدس. وبعد شهور، النكسة التالية بدأت ملحمة تحرير سيناء، والتجهيز لحرب التحرير. وفي يونيو من عام 1968 مع انطلاق حرب الاستنزاف التي نقلت الاستراتيجية المصرية من مرحلة الصمود إلى مرحلة الردع، فقد كانت حرب الاستنزاف يُمثل ضرورة عسكرية ملخصها أن الجيش المصري وإن كان في هذه المرحلة لا يستطيع استعادة سيناء، لكنه يستطيع كسر معنويات إسرائيل.

كان الكيان الصهيوني يعيش حالة رعب، وخوف عميق، الوهن والضياع هو الشعور العام المسيطر على الجميع قادةً وشعباً.

تمر الأحداث يوماً بعد يوم. لتستيقظ الأمة على خبر مفجع، ففي الثامن والعشرين من سبتمبر ايلول لعام 1970، كانت وفاة الرئيس عبد الناصر، وجنازته المهيبة التي لم تحدث في تاريخ البشرية.. يتولى بعد ذلك أنور السادات الذي تيقن أنه لا سبيل أمام مصر في ظل التعنت والغرور الإسرائيلي سوي الإعداد لتحرير الأرض المحتلة، وأن ما أُخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة، فتشهد مرحلة إعداد استمرت لأكثر من عامين كل هدفها هو استعادة الأرض المسلوبة. تلك الأرض التي برهن كل الخبراء العسكريين والقادة الإسرائيليين أنه لا مجال لاستعادتها مرة ثانية.. لتحدث المفاجأة في السادس من أكتوبر عام 1973.

بداية الحرب وعبقرية التخطيط في ذلك الوقت

هنا القاهرة.. ما بين لحظات تاريخية وأحلام مزعجه كان الوضع مريباً، لم تكن حرب السادس من أكتوبر عام 1973 مجرد لحظة نصر عابرة، بل كان الكابوس الذي أفزع الكيان الصهيوني وقادته السياسيين، ونصراً لم ينكره الصهاينة.. فلقد وصفوا فيها ما حدث بالكارثة المروعة. تركت تلك الآثار والتصريحات بصمات غائرة في نفس وعقلية رئيسة وزراء إسرائيل جولدا مائير وكل الصهاينة مصحوبة بالألم والمرارة. فلقد كان الكيان الصهيوني يعيش حالة رعب، وخوف عميق، الوهن والضياع هو الشعور العام المسيطر على الجميع قادةً وشعباً.. فكان التخبط حليفهم فالحرب لم تنتهي بعد، مناوشات كثيرة تستمر لأربعة أعوام أخري بين محاولة لاحتلال الأرض ثانية أو حتي السيطرة على جزء منها لحفظ الكرامة.

 ويأتي شهر أغسطس من عام 1978 ويدعو الرئيس الأمريكي جيمي كارتر الرئيس أنور السادات ورئيس الوزراء الإسرائيلي مناحم بيغن إلي محادثات، للبحث عن إطار للسلام في الشرق الأوسط.. بدأت القمة في الخامس من سبتمبر أيلول في كامب ديفد مقر الرؤساء الأميركيين في عطلة نهاية الأسبوع. وهي منطقة تضم حوالي عشرون منزلاً في غابة تبعد نحو مئة كيلومتر عن واشنطن، رافق القادة الثلاثة مستشاروهم الدبلوماسيون والعسكريون، وبقيت كامب ديفد معزولة بالكامل عن العالم طوال أيام القمة التي استغرقت ثلاثة عشر يوماً. لتبرم أول معاهدة سلام بين إسرائيل ودولة عربية وسط ذهول العالم.

وفي أقل من ثلاث سنوات، في السادس من أكتوبر تشرين الأول 1981 يٌغتال الرئيس محمد أنور السادات الذي كان يواجه انتقادات حادة في مصر، ويخلفه في الحكم حسني مبارك قائد القوات الجوية في حرب السادس من أكتوبر. وفي تأكيد على أن العدوان ما زال قائماً.. استدعي مبارك السفير المصري في تل أبيب بعد الاجتياح الإسرائيلي على لبنان عام 1982.

تنبعث الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير عام 2010 لتطيح برئيس حكم لأكثر من ثلاثين عام، فرط فيها في الكثير من خيرات مصر.. أحداث تمضي ويُنتخب أول رئيس مدني.


الجزيرة


وفي معركة دبلوماسية لتحرير طابا التي كانت تحت سلطة الاحتلال وبقعة مسلوبة من أرض مصر الغالية، وسبع سنوات من الجهد والنزاع، إذ يُرفع العلم المصري على أرض طابا في التاسع عشر من مارس اذار عام 1989. لكن بين الأسطورة، والأكذوبة إثباتات وقصص، فبعد خمس سنوات من حكم مبارك لمصر تتكاثر الأقاويل حول علاقته مع قادة إسرائيل، وتأتي فضيحة تصدير الغاز لها في اتفاق أبرمته الحكومة المصرية مع الكيان الصهيوني سرآ في الثلاثين من يونيو عام 2005.

حيث تقضي بتصدير 1.7 مليار متر مكعب سنوياً من الغاز الطبيعي لمدة 20 عاماً، بثمن يتراوح بين 70 سنتاً و1.5 دولار للمليون وحدة حرارية، بينما يصل سعر التكلفة 2.65 دولار. كما حصلت شركة الغاز الإسرائيلية على إعفاء ضريبي من الحكومة المصرية لمدة 3 سنوات من عام 2005 إلى عام 2008، لتثير هذه الاتفاقية حملة احتجاجات كبيرة، دفعت عدداً كبيراً من نواب مجلس الشعب المصري إلى الاحتجاج وتقديم طلبات إحاطة.

خمس سنوات أخري تمر والتفريط في ثروات مصر مازالت قائمه، تنازلات وتنازلات أخري، وتنبعث الثورة المصرية في الخامس والعشرين من يناير عام 2010 لتطيح برئيس حكم لأكثر من ثلاثين عام، فرط فيها في الكثير من خيرات مصر. أحداث تمضي وتمر سنين ويُنتخب أول رئيس مدني وسط انتخابات شهد لها العالم في الرابع والعشرين من يونيو حزيران لعام 2012. شهور تمضي وصراعات لعودة الحكم العسكري مرة أخرى، أحداث تتلاحق وصراعات على العرش بدأت مرة أخرى، وسط تصريحات بأن الحكم سيكون للشعب صاحب الكلمة والإرادة. تخبطات فكريه وانقسامات عائلية ومشادات كلامية انتهت بالحكم العسكري مرة أخرى بين جدلية نصر أم هزيمة.. واقع الأمة الآن لا علاقة له بنصر أكتوبر.

بين جدلية نصر أم هزيمة

فكانت الهزيمة لنا والنصر لهم هذا ما قاتلوا عليه بشراسة، فكان التفريط في العرض مباحاً.. آثار تُسرق.. جُزر تُباع.. ثروات تُنهب.. سدود تُنشأ ومياه تُنسى.. ويظل نصر أكتوبر المجيد، النصر الذي استطاع من خلاله الشعب المصري وجنوده الأوفياء الثأر من هزيمة 1967، ورد الشرف والكرامة للأمة العربية والإسلامية ليحطم أسطورة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر. ولنعبر من مرارة الهزيمة والانكسار إلى نشوة النصر، الذكري التي تربينا عليها صغاراً لتعلمنا معاني البطولة وأن الأرض لا يُمكن أن يُفرط فيها.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة