حسام موصللي
حسام موصللي
1.8 k

من أميركا إلى الصين.. هل تستطيع السعودية تبديل حلفائها؟

10/11/2018

أسعى من خلال هذه العرض المُبسّط إلى وضع نقاط أولية لفهم مُحدّدات العلاقات الصينية السعودية، وهل بإمكان المملكة التخلي بسهولة عن الحليف التاريخي- الولايات المتحدة؟ وهل لدى الصين الرغبة، في هذه المرحلة الحساسة من صعودها، في التجاوب مع المملكة على الرغم مما قد ينطوي عليه هذا التحالف من مخاطر؟

أزمات غير كافية
أود أن أنطلِق من هنا: ليس بدءاً بأزمة حظر تصدير النفط السعودي إبان حرب 1973، وتبعات أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001، ولا انتهاء بقانون جاستا (العدالة ضدّ رعاة الإرهاب) 2016، والتدخل العسكري في اليمن منذ 2015 وما رافقه من كارثة إنسانية غير مسبوقة، ومؤخراً جريمة قتل الصحفي خاشقجي في القنصلية السعودية بإسطنبول، فضلاً عن تاريخ أطول من أن يتسع له مقال، أو حتى كتاب، فيما يتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان؛ كلّ ما سبق جزء من الأزمات التي عصفَت، وماتزال، في تاريخ العلاقات السعودية-الأميركية، المُستمرّة منذ قرابة تسعين عاماً، وإنّ دل هذا على شيء، فهو أنه من شبه المستحيل -ضمن المعطيات العالمية الحالية على الأقل- فك هذا التحالف، ناهيك عن انتقال المملكة من معسكرها التقليدي إلى آخر مُناقض تماماً.

لا تمتلك الدول الهامشية قراراً مستقلاً
ثمة جوانب عديدة تتحكّم بمصير العلاقات الخارجية السعودية، ويجوز القول بأن القرار السعودي هو أقل هذه العوامل أهمية، إذ أنّ اعتماد اقتصاد الأخيرة بصورة شبه كاملة على ثروتها النفطية- باعتبارها تحتوي ثاني أكبر احتياطي نفطي، فضلاً عن كونها أكبر مُصدّر للنفط في العالم- يُحتّم على القوى العظمى ألا تدع مجالاً لأيّ خلل في العلاقات قد تنجم عنه أزمات تفوق حجم السعودية نفسها بكثير. من هُنا، اقتضى الحفاظ على توازن القوى أن تكون علاقات المملكة السياسية والأمنية مع الحليف الأميركي، بينما تُعتبرُ الصين أكبر مُستورد للنفط السعودي. تجدُر الإشارة هُنا إلى أن المملكة السعودية تُدرَج تقليدياً ضمن قائمة الدول الهامشية، Periphery Countries؛ أي ضمن الأقل تطوراً على صعيد التنمية والمساواة والإنتاج ومُحدّدات أخرى.

العلاقات الأمنية والسياسية للمملكة: يُمنع الاقتراب أو التصوير!

تُدرك الصين أن نموها الاقتصادي الهائل قد حدث في ظل النظام الدولي القائم بقيادة شريكها التجاري الأكبر، الولايات المتحدة الأميركية، وتدرك أيضاً أن الأخيرة لن تتخلى عن المملكة

تعدُّ العلاقات السعودية- الصينية حديثة العهد -بدأت في ثمانينيات القرن المنصرم، وتعزّزت في مطلع القرن الحالي- وهي في العموم محصورة في الجانب الاقتصادي، والذي تسارعت وتيرته خلال فترة قصيرة لتصبح الصين على رأس قائمتَي المُصدّرين إلى المملكة، والمُستوردين منها. بيد أن هذا التبادل التجاري لم يكن ليتضمّن تجارة السلاح، بصورة ثابتة على الأقل، لأنه قرار يخضع للإرادة الأمنية والسياسية للحليف في الولايات المتحدة. من المفيد هُنا الإشارة إلى صفقة أبرمتها السعودية مع الصين في سنة 1985، حصلت من خلالها على سلاح تضمّن فيما تضمّن صواريخ بالستية وسيطة المدى قادرة على حمل رؤوس نووية، وقد تسببت تلك الصفقة في إغضاب واشنطن، قبل أن تؤكّد المملكة عدم نيتها استخدام تلك الصواريخ في تهديد إسرائيل، وأن الغرض منها إحداث توازن مع إيران في المنطقة، وانتهت الأزمة بعقد صفقات كبيرة لشراء المزيد من الأسلحة الأميركية، بعد أن وافقت واشنطن، على مضض، على تزويد المملكة بأسلحة هجومية مُتطورة، بعد أن كانت المبيعات مُقتصرة على الأسلحة الدفاعية حتى ذلك الوقت.

وهكذا، لم يذهب التعاون الأمني بين الرياض وبكين أبعد من تلك الصفقة بكثير، لأسباب أبرزها كما أسلفت متانة التحالف الأميركي السعودي. ولا يمكن أيضاً إغفال عوامل مهمة أخرى؛ على رأسها العلاقة المميزة بين الصين وإيران، والتي تشبه في نواح عديدة علاقة الصين بكوريا الشمالية -مع غياب تحالف رسمي صيني إيراني-، وموقف الصين من الإطاحة برأس النظام السوري، فضلاً عن الموقف المحرج الذي ستجد المملكة نفسها فيه -بوصفها بلاد الحرمين وقبلة المسلمين- في حال تحالفت مع الصين، إذا ما نظرنا إلى ما تمارسه الأخيرة من اضطهاد ضد أقلية الإيغور المسلمة في مقاطعة شينجيانغ. بناءً على ما سبق، لم يحدث أيّ تطوّر يُذكَر على صعيد العلاقات الأمنية بين الصين والسعودية، لدرجة أن الأخيرة لم تُبدِ أي رغبة جادة بشراء الجيل الجديد من الصواريخ البالستية التي كانت قد حصلت عليها من الصفقة سالفة الذكر.

ماذا يريد الصينيون؟
في واقع الأمر، لا أعتقد أنه من مصلحة الصين، في الفترة الحالية على الأقل، أن تلعب دور داعم رئيسي للمملكة، وذلك لعدة عوامل تُضاف إلى ما سبق، وتتعلق على نحو رئيسي بالصين نفسها؛ أقصدُ هنا، بالصورة التي تعمل الصين جاهدة على تصديرها إلى العالم، بالتوازي مع المرحلة الحساسة المتعلقة بصعودها المبهر اقتصادياً. إن المجتمع الدولي عادة ما يوجِّه اللوم إلى الصين بسبب سياساتها الداعمة لأنظمة حكم لا تُراعي مبادئ الحريات والديموقراطية وحقوق الإنسان، بيد أن الصين، على عكس روسيا والدول المُنشقّة، تُفضّل ألا تُمارس هذا الدعم إذا كانت بشكل منفرد، وموقفها إزاء نظام القذافي في ليبيا والأسد في سوريا دليل واضح على هذه الفرضية. خلال العقود الثلاثة الأخيرة، اعتمدت الصين على سياسة Keeping a Low Profile التي أطلقها شياو بينج في تسعينيات القرن الفائت، حيث تفضّل الصين ألا تتحدى الإرادة الدولية فيما يتعلق بحلّ الأزمات، وتصرّ دائماً على احترام الأعراف الدولية، وعلى رأسها مبدآ السيادة وعدم التدخل. لكن، لا يعني هذا إمكانية حدوث العكس، والحقيقة أنه ثمة توجُّس بصدد تغيرات جذرية قد تطرأ على السياسية الخارجية للصين على ضوء ما أعلنه شي جين بينغ في سنة 2017، بأنه حان الوقت للبدء بسياسة جديدة تلعب فيها الصين دوراً قيادياً على المسرح الدولي، يتوافق مع حجمها وقدراتها، ونموذجها الاقتصادي.

 

مع ذلك، وعلى الرغم من إمكانية تطبيق السياسة الصينية الجديدة في أفريقيا على سبيل المثال، إلا أنه سيكون من الصعب إقحام المملكة السعودية في تلك الخطة، ضمن المدى المنظور على الأقل. إذ تُدرك الصين أن نموها الاقتصادي الهائل قد حدث في ظل النظام الدولي القائم بقيادة شريكها التجاري الأكبر، الولايات المتحدة الأميركية، وتدرك أيضاً أن الأخيرة لن تتخلى عن المملكة قبل أن تكون قادرة على تعويض حصتها النفطية في السوق، وهذا ما يدعي الأميركيون أنه بات وشيكاً.

إن حدث ما سبق، فمن البديهي ألا يكون انسحاب واشنطن -التي تتولى حماية النفط السعودي- من الرياض سلمياً وبدون تعقيدات، ولا أظن أنه لدى الصين، أو حتى روسيا، الرغبة حالياً في دعم النظام السعودي المُثقل بأزمات عصية على الحل، وأوراق ضغط في جعبة الولايات المتحدة، والتي تستطيع إبرازها على العلن عندما يتطلب الأمر ذلك، بل وربما تبرير تدخل أشد قسوة تحت ذرائع يَسهُل الحصول عليها من سجلات المملكة ذات التاريخ الحافل بالانتهاكات.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة