هل يجوز أن نعتبر تأييد الطغاة رأيًا يجب احترامه؟

11/11/2018

إنّ واحدةً من المُسَلَّمات التي يبشّر بها عصرنا الحاضر هي حرية الرأي والفكر والمعتقَد. فالآراء كلها، مهما اختلفت، في حقول المعارف والفكر، تستحق الاحترام من حيث المبدأ. والمناظَرات الفكرية والثقافية، الشفهية منها والمكتوبة، والتي لم تستغنِ عنها البشرية يومًا، تلعب دور الفيصل في ترجيح كفّة رأي على رأي، وفي تزويد الحجج اللازمة والمقنعة للاختيار بين رأي ونقيضه، وفي تقديم البراهين إزاء القضايا التي تهمّ الإنسانية. الرأي والرأي الآخَر يجب أن يتمتّعا باحترام كافّة الأفرقاء، والاختلافات والخلافات يجب أن تخضع لأعراف تمنع تفجّر الخصومات وتجنّب اللدد في العداوات، وتنزع قدر المستطاع الغلّ من الصدور، صونًا لقضية الودّ، وحمايةً لقيمة الإخاء.

 

إلا أن الكثير من القضايا التي تفرض نفسها في زمننا الراهن تدفعنا إلى التساؤل حول ماهية حرية الرأي وحول حدود التسامح والتقبّل للآراء المتباينة. فإننا شهود على عدد لا يحصى من النكبات والويلات والكوارث التي نتجت عن أعمال وأقوال لبشر في مواقع سلطة ونفوذ تسمح لهم بالتأثير، سلبًا أو إيجابًا، على حيوات الملايين من البشر. وإننا نجد أنفسنا مضطرين أن نتخذ مواقف أخلاقية حيال أحداث تسفك فيها الدماء بغزارة، ويقع ضحاياها الأبرياء، ويعمّ فيها الخراب، ويستفحل الدمار، وتمتدّ آثارها المأساوية والمفجعة على كافة مرافق العمران، وعلى كل أنشطة الإنسان.

 

وإننا لنجد أنفسنا في مواجهة مع جيوش مجيّشة من الأقلام والأصوات التي تخلق التسويغات للمسؤولين عن الطغيان والاستبداد والمجازر، وتجتهد في إيجاد الأعذار وفي إضفاء الشرعية على الجرائم والكبائر. وكل هذه الأقلام والأصوات تستتر بغطاء الثقافة والفكر الذي يخدع الغافلين والمغترّين، ولكنه لا يصمد أمام النبهاء والأذكياء والعاقلين من الذين قدروا الفكر حق قدره، ومن الذين أخلصوا للعلم والثقافة، فرفضوا أن ينحطّوا بأقلامهم وأصواتهم إلى الحضيض الأسفل. وعندما تضع واحدًا من هؤلاء أو من المغترّين بهم في "خانة اليكّ"، وتفحمه إفحامًا يقضي على كل ذرائعه ويفضح تهافت حججه، عندها يلجأ إلى "الرأي والرأي الآخر"، مطالبًا إيّاك بضرورة احترام رأيه، وسط ذهولك وعدم تصديقك.

 

إننا نعتبر أن النزال بين الآراء يحب أن يكون بين تلك التي تجتهد في ابتغاء خير الناس كلهم، وتهدف إلى المصلحة العامة في تحسين ظروف معيشة الناس وإسعادهم

فعندما يتّخذ حاكمٌ ما قرارات تقضي بإبادة وتهجير مئات الآلاف من أبناء شعبه، وبتدمير المدن على رؤوس سكانها، وباعتقال وتعذيب المعارضين بأبشع الأساليب وحشية، عندما يرتكب الحاكم كل هذه الجرائم والفظائع والشناعات، هل من الممكن أن نعتبر أن تأييده هو رأي يحتّم علينا كبشر، نحترم أنفسنا، أن نحترمه، لأن هذا من المبادئ البديهية لحرية الرأي؟ هل نستطيع أن نناظر أشخاصًا يؤيدون سياسات القتل ويشجّعون طاغية وزبانيته على ارتكاب المجازر، هل نستطيع أن نناظرهم دون أن نمقتهم أو، على الأقل، دون أن نفقد احترامنا لهم؟ 

 

وإذا أخذنا بعين الاعتبار الكيان الصهيوني الذي قامت دولته على أرض فلسطين السليبة، والذي تأسس على دماء وأشلاء الشعب الفلسطيني، هل من الممكن لنا أن نعتبر أن مَنْ يؤيّد سياساته ويدعمه ويدعو إلى التطبيع معه هو صاحب رأي يجب احترامه؟ إلى أي مدى نستطيع أن نتقبّل الرأي الآخر في هذه الحالة؟ وما هي المعايير لاعتبار الرأي رأيًا جديرًا بالاحترام رغم الاختلاف وليس هرطقة فكرية أو شعوذة ثقافية أو ترّهات باطلة؟ هل نجرح مبدأ حرية الرأي إن رفضنا وشجبنا آراء الداعين إلى التطبيع مع الكيان الصهيوني والمؤيدين لسياساته العدوانية والعنصرية؟ 

 

وفي الأنظمة التي تتبنّى الديمقراطية التي تقضي بإجراء انتخابات دورية لاختيار حكام وممثلي ومسؤولي الشعب، ما هي الأُطُر التي تحكم العلاقات بين الرأي ونقيضه وبين الموقف وضده؟ فَقَدْ شهدنا مؤخّرًا صعود تيارات يمينية متطرّفة في أكبر دولتين في القارة الأمريكية، وهما الولايات المتحدة والبرازيل، عبر وصول دونالد ترامب وجايير بولسونارو إلى كرسي رئاسة الجمهورية. ومما هو معروف عن هذين الزعيمين خطابهما العنصري والإسلاموفوبي والكاره للأقليات بشكل عام. فهل من الممكن لنا، كمسلمين أن نحترم مسلمًا أمريكيًا أو برازيليًا يؤيد زعيمًا إسلاموفوبيًا؟ هل يدخل هذا الخيار في نطاق حرية الرأي للفرد المسلم؟ 

 

وبالنسبة للنظام الاقتصادي والمالي العالمي الحالي، فهو نظام ظالم يعتمد الربا أساسًا من أسسه، ويعطي الأولوية للمضاربات ولتجارة الوهم والأسهم في البورصات على حساب الإنتاج الحقيقي والنافع. وهو الذي يسمح للدول الفاحشة الثراء بأن تستمر في سياسة استغلال الدول الفقيرة وتركيعها وتجويع شعوبها. فهل من الممكن لنا أن نحترم آراء تؤيد هذا الانتهاب الجشع والافتراس الفتّاك والظلم الصارخ، حتى لو كان أصحابها من النحارير الفطاحل من أعظم الجامعات في العالم؟ هل نسمح لأنفسنا بالمساهمة في تكريس وترسيخ هذه المنظومة الجائرة التي لا تنتفع منها إلا القلة القليلة من مترفي عالمنا على حساب بؤس وشقاء مئات الملايين من البشر؟ 

 

إننا نعتبر أن النزال بين الآراء يحب أن يكون بين تلك التي تجتهد في ابتغاء خير الناس كلهم، وتهدف إلى المصلحة العامة في تحسين ظروف معيشة الناس وإسعادهم. هنا الميدان فسيح لسجال الآراء، وللمناظَرة بين المذاهب، وللجدال بين المناهج المختلفة. وهنا يشكل الاختلاف عامل إثراء وخصوبة فكرية وتلاقح ثقافي. وهنا نحن مطالَبون بالحفاظ على مبدأ حرية الرأي والدفاع عنه بشراسة. أما عندما تكون المبارزة بين رأي يسعى إلى العدالة، ورأي آخر يدافع عن الظلم والطغيان، فهنا لا مجال للتسامح بتاتًا، ولا إمكان للاحترام، وإنما موقفنا يجب أن يكون قاطعًا في رفض المدافع عن الظلم وتسفيهه، وإبطال منهجه، وعدم التحرّج من القطيعة التامة معه إن استمر على ضلاله. لا مناص لكل أصحاب الضمائر اليقظة من اتخاذ المواقف التي تنسجم مع الحق والخير والعدالة.

 

تأييد الطغاة والظالمين والقَتَلة والمجرمين لا يجوز اعتباره "رأيًا"، وبالتالي لا يستحق الاحترام، وإنما يجب أن يُرْفَضَ رفضًا قاطعًا وحازمًا وحاسمًا، وأن يُرَدَّ على أصحابه

الجزيرة
 

إن جمهورية أفلاطون ومدينة الفارابي الفاضلة ويوتوبيا توماس مور كلها أفكار نوقشت بإسهاب على مدى العصور، وشكّلت مصدر إلهام للكثير من المثقفين والناشطين من المنشغلين بقضايا الإنسان ومصيره. وكلها تخاطب أنبل وأجمل ما في الإنسان لتحقيق العدالة الاجتماعية والسعادة الجماعية. وهي قد تكون نظريات ورؤى وأحلام طوباوية بعيدة المنال وصعبة التحقق في الواقع، رغم رفعتها ونبلها. وهذا يرجع إلى تمكّن المطامع والشهوات من الإنسان، مما ينحط به في الدركات السفلى للظلم والطغيان والاستبداد والاستغلال.

 

ولكن الإنسان السليم الفطرة، الصحيح الضمير، يظل يصبو في قرارة نفسه إلى المثل الأعلى الذي تدافع عنه هذه الأفكار السامية التي ابتدعتها صفوة عقول الإنسانية، وهو يظل منحازًا إلى قِيَم العدالة والحق والخير والجمال. والسجال بين الآراء يجب أن يكون في ميدان هذه القيم الرفيعة والأخلاق العالية. هنا الربوع رحبة للرأي والرأي الآخر، وهنا لا مندوحة لنا من احترام كل الآراء لأنها تنطوي على النية الطيبة. ولا مشاحّة في الخلاف والاختلاف، لأن الأمر هنا يدخل في نطاق التنافس على الصلاح والخير.

 

أما في ميدان الظلم والطغيان والاستبداد والشرّ والاستغلال، فلا مجال لرأي ولا لرأي آخر. هنا الخيار الوحيد المتاح هو رفض هذا الميدان برمّته واعتبار كل الآراء المنضوية تحت رايته متهافتة وباطلة وغير جديرة بالاحترام بتاتًا. إن الإنسان الإنسان، صاحب الضمير الحي اليقظ، يحب أن يتبرّأ من كل أولئك الذين يؤيدون الظالمين والطغاة والمستبدين والأشرار والمستغلين تحت ذريعة "الرأي والرأي الآخر"، والتي تسقط كليا هنا "كجلمود صخرٍ حطّه السيلُ من علِ". وبهذا نعتبر أن تأييد الطغاة والظالمين والقَتَلة والمجرمين لا يجوز اعتباره "رأيًا"، وبالتالي لا يستحق الاحترام، وإنما يجب أن يُرْفَضَ رفضًا قاطعًا وحازمًا وحاسمًا، وأن يُرَدَّ على أصحابه.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة