هيا العقيل
هيا العقيل
336

وجاء الشتاء.. على أهل الخيام!

11/11/2018

إذا اشتقت لإنسان أو لأي شيء في حياتك قد يأتيك أحيانا قبل موعده ملبيّا لأشواقك ومبادلا لها، إلا الشتاء، فلن يأتيك إلا في موعده بعد أن يمر جميع أصدقائه عليك من صيف وربيع وخريف، وأنت في مكانك تنتظره.. قد تنتظره أحيانا بشغف، وقد لا ترغب بمجيئه من الأساس أحيانا أخرى! أما أنا فأحب هذا الذي يسمونه الشتاء وما يحمل معه من هدايا و مفاجآت 

وجاء الشتاء.. وجاءت معه رائحة الذكريات في كل شتاء سبقه، وجاء الشوق محمّلا ومثقلا لأولئك الذين جمعتنا معهم مائدة واحدة، ودفء بيت واحد، وسقف واحد جمعنا قبل أن يُمضي كلٌّ شتاءه في مكان. وجاء الذي كنا له نتخيّر في صغرنا أجمل الثياب من معاطف وقبّعات وقفّازات وأحذية برقاب طوال، وفي الشتاء يحلو اللقاء على كوب سحلب مع الأحباب، والكستناء هذه اللذيذة التي تعطي تميّزا للأجواء.

وفي الشتاء.. لأولئك.. كان الجمال وحلّ محله فجأة السواد! وجاء الشتاء، ونسينا أولئك اللذين هم في الخيام.. برد! رياح! وأمطار! تتبعها عواصف وثلج.. جليد ورعد ورائحة دماء! رائحة دماء تأتي من ذاك المكان البعيد الذي لطالما جمعهم بمن كانوا لهم سندا في دنيا الفناء. 

جاء الشتاء.. ووقعت الخيام وغرقت الأقدام من ذاك المطر، وتجمدت الأطراف وازرقّت الجلود والشفاه وانقطعت الكهرباء وعلَى صوت النحيب على الأحباب، والشوق للأوطان في ازدياد، ورواح تحت التراب تنادي من عليها: تعالوا هنا

لطفل صغير تمنى أن يكون له حذاء جديد بهذا الشتاء، فجاء الشتاء ولم يأتِ الصغير ولا حتى الحذاء. وجاء الشتاء.. وقلب صبي تفطّر شوقا لقطعة حلوى وعده بها والده ذاك المساء.. فأهدته السماء قنابل حقد فاحت معها رائحة جسد هذا الأب وفي يده قطعة الحلوى بطعم الحرق والدماء. 

وجاء الشتاء.. وقال لجده: أين ماما؟ أين بابا؟ أين راما وأسامة؟ فقال الجد منكسرا للعبرات: عند الله، وما عند الله خير وباق! سأل: لماذا لم يأخذوني! ألست ابنهم! أم أنهم لا يحبوني ولا يحبني الله !فصمت الجد وتحدثت عوضا عنه العبرات.

وجاء الشتاء.. وأخذوها للتبني في بلاد بعيدة، بعيدة جدا لأنها باتت وحيدة، بعد أن وُجدت تحت الأنقاض، فحُفرت أولى ذكرياتها "الجميلة" تحت أنقاض ذاك الوطن، وطن جرّع طفولتها الألم والوحدة واليُتم، وفي النهاية الغربة عن هذا الوطن! قد يتغير اسمها وديانتها وعقيدتها وأخلاقها في البعد عن هذا الوطن، لكن المهم أنها الآن تشعر بالأمان، كيف؟ بالبعد عن هذا.. الوطن!

وجاء الشتاء.. وفي السجون اكتظت الزنازين الصغار، وتضرجت الجدران بدماء التعذيب والتنكيل وكتابات الأشواق والمناجاة، وللدم هناك رائحة أخرى في البرد في فصل الشتاء، باردة! موحشة! مخيفة! دم له صوت لا يسمعه سوى من تبعثرت منه تلك الدماء بأسواط وعصيٍّ وأسلاك وغيرها من أدوات الجبابرة باحتراف.


وجاء الشتاء.. ووقعت الخيام وغرقت الأقدام من ذاك المطر، وتجمدت الأطراف وازرقّت الجلود والشفاه وانقطعت الكهرباء وعلَى صوت النحيب على الأحباب، والشوق للأوطان في ازدياد، ورواح تحت التراب تنادي من عليها: تعالوا هنا.. تعالوا للراحة في ضيافة الرحمن.. فالله أرحم من كل تلك المعاهدات والمساعدات والقمم البالية حول تلك الطاولات!

وجاء الشتاء وأحوال أمتنا في انحدار، وشعوبنا وربيعنا في انهيار، و كلما قلنا ها قد سطع فجر الانتصار جاءتنا انتكاسة ترجعنا للوراء بلا سابق إنذار. وجاء الشتاء.. وأقصانا بيد الخونة الكبار، يتآمرون عليه وكأنه قطعة للبيع في مزاد، وإسلامنا وصموه بالإرهاب، وحجابنا جعلوه رمزا للتخلف والازدراء، وخلعه حرية وانفتاح.. وقيمنا ومبادئنا قالوا رجعية! والإباحية هي التقدم في عصر التقدم والابتكار. والواقع يشتد في الإيلام ويا رب الطف بعبادك في هذه الأوقات الصعاب.. ومع كل ذلك ما زلت أحب الشتاء، وسأتفاءل كل شتاء أن القادم أجمل، وهكذا يكون حسن الظن بالله، وفي الختام، كان الله معكم يا أهل الخيام!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة