مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
165

"ود اللمين".. وأوهام الحبيبة!

12/11/2018

الصراحة لست من هواة النغم ولا من محبيه.. لا من قريب ولا من بعيد، وهذه الجملة بالذات توطئة ضرورية لما سيأتي بعدها من حديث. إن أسوأ الأمسيات التي يمكن أن تمر على البني آدم منا أيها السادة هي أن يركب أحدنا المواصلات العامة، وبصدفة مزعجة كما ينبغي تلتقط موجة راديو الحافلة الذبذبات الصوتية العائدة للرجل المدعو "ود اللمين" دوناً عن كل الموجات الصوتية الحائرة في الأثير الكهرومغنطيسي.. يلتقطها الراديو اللعين ويلقي بها مباشرةً في طبلة أُذنك.

 

توطئة أخرى هنا واحتراز ضروري لا بد من ذكره والتأكيد عليه بشدة، وهو أنني لست ممن يغامرون بوضع مشاعرهم في قارعة الطرقات عرضةً للسماسرة والطفيليين من بني البشر، الغبار والأشياء الأخرى التي غالباً ما تقتحم حياتنا الشخصية وتفرض نفسها علينا دونما سابق إذن منا ولا إرادة، إنما يدخر المرء منا عواطفه - كما تجار العملة في بلادي – عميقاً في أدراج سفلية، وخزائن مغلقة بإحكام في قاع مظلم بعيداً عن متناول الصغار.

 

قد أعلنتها مسبقاً: أن السعادة والاطمئنان ربما لا يجتمعان أبداً، كالزيت والماء، الاطمئنان يعني الهدوء ولكنه أيضاً يعني الرتابة، أن تسير الحياة بالشكل الذي تعرفه كل يوم، بلا مفاجئات، حياة هادئة وسلسة، لكنها مملة في ذات اللحظة. أما السعادة فمُتَكلفة، تتطلب منك المغامرة، وحتى عندما تحصل عليها ستبقى تؤرق منامك، وتنهك أقدامك للحفاظ عليها.. وفي النهاية ستغادرك مهما بذلت من جهد لأجل الحفاظ عليها، ستتركك في المنتصف تماماً ولكنها حين تفعل لن تسلمك إلى الرتابة التي وجدتك عندها، بل ستلقي بك في هوة مظلمة من الأحزان التي لا تنتهي.. هذه هي القناعة التي خرجت بها من العالم، وترسخت في ذهني مبكراً جداً وبأثمان فادحة.

تنتهي الأغنية وتكتشف أنك فوّت محطتك بعشرات الأمتار، تنزل من الحافلة متعثراً بخيباتك التي أيقظها فيك الرجل، تعود حاملاً بؤسك راجلاً هذه المرة نحو البيت

لذا مذ حينها يبقي المرء قلبه في مأمن.. ما أمكنه ذلك، بعيداً الأصوات والصور التي قد تثير فيه الشجن، وتبعث فيه خلايا الوجع التي لا تموت. برغم كل ذلك إلا أن صوت "ود اللمين" – وهذا ليس مديحاً بالمناسبة – صوته قادر على أن يجرك حرفياً من أبعد شرود ممكن، قادر على أن يسترعي انتباهك عنوة ويجبرك على الاستماع له.. ذبذباته الصوتية تصنع حولك شوقاً متخيًّلاً.. تجعلك مهيأً تماماً لتسقط في حب أول فتاة تصعد إلى الحافلة.

 

وإن لم يجد لك واحدة بين الحضور، أخرج لك حبيبة من أدراج ذاكرتك المخرومة.. من ماضيك.. ربما من حلم راودك قبل عشر سنوات.. من فلم سينمائي شاهدته الليلة الماضية، أحياناً حتى من اللاشئ، هكذا من اللامكان تصدق أنك تمتلك حبيبة، وفجأةً تصبح مؤمناً بترهات الوطن والحبيبة وأساطير العشاق السخيفة تلك. تحدق بعينيك حيث اللامكان، تنظر إلى الجميع دون أن ترى أحداً، تظل هكذا في حالة برزخية بين الحلم واليقظة، حينها يصل الرجل –ود اللمين -  إلى المقطع "و نعاين بدموع المغلوبين..!".

 

هنا بالذات تفقد الإحساس بمن حولك، تسرح بعيداً في أحداث لا متناهية، مشاهد تخنقك فيها العبرات، ويخونك فيها التعبير.. لا إرادياً تهبط منك الدموع لتضفي ضبابية وسريالية على المشهد الذي أمامك، بالضبط كقطرات المطر على زجاج النافذة. تنتهي الأغنية وتكتشف أنك فوّت محطتك بعشرات الأمتار، تنزل من الحافلة متعثراً بخيباتك التي أيقظها فيك الرجل، تعود حاملاً بؤسك راجلاً هذه المرة نحو البيت.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة