ياسر سليمان أبو غليون
ياسر سليمان أبو غليون
2.1 k

الانتخابات النصفية الأمريكية.. لماذا أخفق الديمقراطيون وفاز ترامب!

14/11/2018

اعتقد الكثيرون أن الرئيس الأمريكي بظهور نتائج الانتخابات النصفية سيكون على موعد مع استفتاء عفوي على نمط الرئاسة المنقسم انقساماً حاداً بين أمريكا أولاً وأمريكا الإمبراطورية، وأنه سيتحول لبطة عرجاء وأنه قاب قوسين أو أدنى من العزل النهائي، ولكن لم يتحقق شيء من ذلك كله، فلم يفقد الجمهوريون الأغلبية في مجلس الشيوخ، بل على العكس من ذلك فقد أثبتت الحوادث أن الحقبة الجمهورية لا زالت تلاقي قبولاً في الأوساط الشعبية والسياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، بعيد هذه الرياح التي جرت بخلاف ما تشتهي السفن.

 

وعلى الأغلب الأعم فإن الرجل اكتسب دفعة معنوية كبيرة إلى الأمام ولا زال متمسكاً بنفوذه في السياسة الخارجية والقضاء، ولهذا سوف نراه يتقدم في المسارات التي اختطها لنفسها كلها ولا محيد عنها قيد أنملة، ومن ذلك الذهاب إلى نقطة اللاعودة بخصوص قانون جاستا المتعلق بضحايا الإرهاب، وحزمة القوانين التي أقرت مؤخراً وليس آخرها تفعيل الشق الدولي العام من قانون ماغنيستكي الذي صدر لأول مرة بصورة تحمل أبعاداً خصوصية تتعلق بتداعيات اغتيال المعارض الروسي سيرجي ماغنيستكي في السجن عام 2009.

 

إلا أنه سرعان ما أخذ يحمل أبعاداً عمومية في النطاق الدولي بحيث يسمح بمعاقبة رجالات الحكم والسياسة في دول العالم ككل على جرائمهم وانتهاكاتهم لحقوق الإنسان، ولربما يتيح ترامب هامشاً من الإنجازات في إطار من المناورة السياسية كترضية للديمقراطيين، ومثال ذلك إعادة تفعيل أوباما كير، واتاحة الفرصة أمامهم لممارسة المساءلة والضغوطات وتكوين لجان التحقيق في تجاوزات الرئيس وحكاية التدخل الروسي في انتخابات 2016.

بخصوص ملف الحرب التجارية مع الصين فمن الواضح أنها ستسير قدماً طالما هنالك إعلام يخدم الجمهوريين ويمجد السياسات الحمائية والعزلة الدولية ولا يلقي بالاً للتهدئة في هذه الجبهة الساخنة

لعل المفارقة في النتائج الحالية جاءت انعكاساً واضحاً لشخصية الناخب الأمريكي الذي أبان عن ماهية المجتمع العدائي غير المسالم بل والحاضنة الشعبية التي تتمتع بها الترامبية الشعبوية، وهذا التوصيف جاء تأييداً لكثير من الآراء التي كانت متداولة بين الفينة والأخرى، وعلى الرغم من أن الانتخابات النصفية الحالية لاقت إقبالاً كثيفاً منقطع النظير لأول مرة منذ العام 1966، إلا إن الذي حصل بمثابة جردة حساب تكشف عن توجهات الناخب الأمريكي المستقبلية، كما توصف بأنها انتكاسة كبرى وفشل ذريع لاستطلاعات الرأي التي كانت ترجح فوز الديمقراطيين في مجلس الأعيان.

 

ومن هنا تتضح الدلالات العميقة للمنعطفات السياسية الحالية في بلاد تفاخرت دوماً بأنها بلد القيم والحرية والعدالة والمساواة وحقوق التعليم والعمل، أما بخصوص ملف الحرب التجارية مع الصين فمن الواضح أنها ستسير قدماً طالما هنالك إعلام يخدم الجمهوريين ويمجد السياسات الحمائية والعزلة الدولية ولا يلقي بالاً للتهدئة في هذه الجبهة الساخنة، علاوة على انتهاج سياسة مواصلة تحييد البلدان التي لا تمتلك مفاتيح القوة، والاستمرار في التخفيضات الضريبية لصالح الأغنياء، وانتهاج العدائية للمهاجرين والنساء، مع السعي الحثيث لملاحقة الدب الروسي الذي يسعى جاهداً لصياغة قطبية دولية جديدة.

 

أما في الإطار العربي والمتعلق بالقضية الفلسطينية فيظهر أنه يراد لها أن تسير نحو منحدرات سحيقة تتمثل في إجبار العرب على القبول بصفقة القرن وإخراجها بسيناريو يناسب معطيات المرحلة الجديدة، وترضية جميع الأطراف تحت يافطة القبول بالأمر الواقع، وفي نفس السياق من شأن هذه النتائج الانتخابية استمرارية النظرة الانتقاصية الاستصغارية لأوروبا بتشخيصها ضمن مسمى القارة العجوز بالتسمية الشهيرة التي أطلقها في حينه وزير الدفاع الأمريكي دونالد رامسفيلد، وهذا من شأنه زيادة الهوة والشقاق في السياسة الأوروبية والأمريكية.

 

ناهيك عن نزعة تسويق الجمهوريين بوصفهم العاملين على إنهاء ملفات الحروب والأزمات في الشرق الأوسط ومنها الحرب الدائرة في اليمن والتصعيد مع الجانب الإيراني، والرغبة المتجددة في بدء جولة جديدة من المفاوضات الثنائية مع الزعيم الكوري الشمالي كيم جون أونغ، وملف الصحفي السعودي المرحوم جمال خاشقجي، ولسنا بحاجة لدليل على أن العمل في هذه الملفات في واقع الحال لا يخدم شعوب المنطقة بالضرورة بل لخدمة الأجندة الأمريكية الخاصة في المقام الأول.

أما التدخلات السافرة في قرارات منظمة أوبك للإنتاج البترولي فنراها عياناً حين يلزم ترامب الكثير من الدول المصدرة للنفط بالتحالف معه، والعمل على ضمان استقرار أسعار النفط وفق المعدل القائم، وإلزام عدة أطراف بانتهاج ما من شأنه تخفيض الإنتاج وبقاء الحال على ما هو عليه.

جاءت نتائج الانتخابات النصفية للعام الحالي 2018 لتعطي الضوء الأخضر لسياسات ترامب، وهي إقرار بسوء تفكير عيّنات عديدة من المجتمع الأمريكي، وهذا يحمل بذور نبوءة مؤكدة وقناعات راسخة بأن ترامب سينجح للمرة الثانية

وكالة الأنباء الأوروبية
 

وفي ملف السياسات الداخلية فلا أقل من استكمال ملف تشريعات الهجرة الترامبية التي تصمم على شعارها الواضح أمريكيا للأمريكيين، من خلال تشريع حزمة قوانين تعيق منح الجنسية للمواليد الجدد، ومواصلة السماح بحمل السلاح للأفراد في الداخل الأمريكي، وفي السياسات الخارجية الحرص على بقاء أمريكيا المورد الأول في أسواق السلاح العالمية، وتدفّق المبيعات للبؤر الساخنة في الإقليم والعالم، وبروز مهزلة السياسة الدولية الجديدة عبر شعارات من مثل: ادفع لقاء حمايتي لك، وادفع فأنا لست ملزماً بالدفع عنك، وتحجيم النفوذ الإيراني بحيث يضمن تقليص مساحة الإنجاز فيه.

جاءت نتائج الانتخابات النصفية للعام الحالي 2018 لتعطي الضوء الأخضر لسياسات ترامب، وهي إقرار بسوء تفكير عيّنات عديدة من المجتمع الأمريكي، وهذا يحمل بذور نبوءة مؤكدة وقناعات راسخة بأن ترامب سينجح للمرة الثانية وحظوظه كبيرة في حال قرر ترشيح نفسه للانتخابات الأمريكية عام 2020، وما يجعل المحللين السياسيين يصلون لخلاصات حيال الشعبوية الترامبية بالصورة التي أعلنها صاحبها المصاب باضطراب الشخصية النرجسية وجنون العظمة، عن انتصار شبه كامل في مجلس الأعيان، على الرغم من خسارته للسيطرة على مجلس النواب، وأحكم مع ذلك سيطرته على مجلس الشيوخ وأصبح واقعاً لا رجعة عنه، في ظل سعي أوروبي حثيث يهدف لقصقصة أجنحة الشعبوية الترامبية، وقطع العلاقة مع الماضي الإمبريالي، ومع ما في ذلك من مؤشرات على أن المجتمع الأمريكي يعاني من اختلالات في سياق تقاطع العلاقة بين الديمقراطي والجمهوري، وهذا من شأنه إبقاء السؤال قائماً لماذا أخفق الديمقراطيون في الوصول لما كانوا يخططون له؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة