لحظة واحدة تكفي!

18/11/2018

لحظة واحدة فقط تكفي لإعادة إعمار ما هُدِّم في أنفسنا، ولحظة واحدة كافية لهدْم ما إعتقدنا أن أوتاده متينة ولا يمكن فك وثاقها، قد تكون لحظة فرضت علينا أو كلمة أو خياراً مَضْينا به أو قراراً كان حاسماً بقدر التغيير الذي أحدثته اللحظة ذاتها، هناك أشياء تحدث لتحدث، تشبه بسرعتها وغفلتها، الموت والولادة، فاصلة بمرورها ما قبلها عما بعدها، ذلك ما يجعل المواقف الكبيرة على امتداد زمانها في ذاكرتنا “لحظة فارقة” نحملها وزراً أثقل من الألم الذي اختزل فيها وتبقى بعدها تنخر الذاكرة بوجعها المضني على أنها “لحظة”، مخلفة وراءها زمانها الحقيقي.

 

هناك لحظات توقع بنا في شرك ظروفها، تشبه تلك اللحظة التي تجاهل الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون رسالة وصلته من رجل فيتنامي يدعى “هو تشي منه” والذي كان يطمح حينها بمقابلة الرئيس ويلسون ويحمل خطاباً معتدلاً بأحلامه الكبيرة بوطن مستقل عن فرنسا، متلمساً تعاطف ويلسون لقضيته، لكن تجاهل ويلسون جعل “هو تشي” يترجل عن اعتداله ويعتلي جنون حرب العصابات ويؤسس الحزب الشيوعي الفيتنامي، وشطرت الحرب فيتنام إلى شطرين، ليصبح هو تشي الرئيس الأول لفيتنام الشمالية، وحين فشلت فرنسا في السيطرة على حربها مع فيتنام طلبت المساعدة من الولايات المتحدة، لُيقتل إثرها ما يقارب ستين ألف أمريكي في حربهم الدموية مع فيتنام، أكان يدري ويلسون أن تلك اللحظة التي تجاهل بها رسالة “هو تشي منه” أنه يمضي نحو الحرب الفيتنامية.

 

بعض اللحظات لا تمضي.. لا يمكن لها العبور، تخيط لها مكاناً وزماناً في حياتنا لتصبح وجوداً حقيقياً تلزمنا على قبولها، لحظات لا تنطفئ، كساعة من تراب آخر ذرة من ترابها تسقط مع نهاية العمر

النفط بكل شروره ليس إلا انقلاب اللحظة علينا، كحين تحول البحث عن الملح إلى لعنة ومصدر للحرب والموت بدلاً من كونه مصدراً للنِعَم، تلك اللحظة التي وجد العمال خلال بحثهم في آبار الملح سائلاً أسوداً واكتشف باحث وصيدلي أن بتكرار السائل المُكتشف يمكن استخدامه في الإضاءة بدلاً من الشموع، وبعدها أضاءت الأبحاث نيران الحروب للسيطرة على الذهب الأسود، وقلبت أحوال دول ما كانت إلا غباراً على خارطة الاقتصاد لولا أن سطح أرضها يدفن في جوفه كنوزاً قادرة على قلب موازين الكون.

 

هناك أحداث فاصلة لكنها ليست سوى لحظات، كلحظةِ عاطفةٍ عابرة وربما باردة، لكن أثرها حار كنار لا تخمد، أيعلم الجندي البريطاني هنري تاندي أنه في اللحظة التي قرر أن يعفو عن جندي ألماني جريح أمامه وهو على وشك إطلاق رصاصته القاتلة نحوه كان بعفوه يقتل الملايين، وأن الحياة التي منحها للجندي الألماني المصاب هي الممات الذي يتكئ عليه اليوم بعض الصهاينة في قتلنا انتقاماً من الهولوكوست لتعاطف العالم معهم ويجعل منهم كياناً يملك قوة تكفي لتدمير الكرة الأرضية، فذلك الجندي الألماني المصاب هو أدولف هتلر الذي قتل على يده ستة ملايين يهودي في المحرقة، ذهب هتلر ومن عفى عنه وبقيت اللحظة تتدفق آثارها بقوة نحوها حتى الآن.

 

الأمثلة الكبيرة ليست سوى بعدٌ لما يمكن أن يحدث معنا كل يوم، هناك ثقل نعجز عن حمله ثم تأتي كلمة واحدة لتخفيه كأنه لم يكن، وهناك فرح فائض قد يجف في ثوان معدودة.. بعض اللحظات لا تمضي.. لا يمكن لها العبور، تخيط لها مكاناً وزماناً في حياتنا لتصبح وجوداً حقيقياً تلزمنا على قبولها، لحظات لا تنطفئ، كساعة من تراب آخر ذرة من ترابها تسقط مع نهاية العمر.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة