مجاهد أحمد
مجاهد أحمد
111

افتحوا عيونكم.. لو أبصرت ثلاثة أيام!

19/11/2018

لعل من أسوأ الصفات التي يحوزها بني البشر هي قدرتهم الرهيبة على الاعتياد، هذه اللعنة المسماة ألفة التي تقتل فينا الشعور، وتنتزع منا قدرتنا على إدراك الجمال الذي حولنا، تحولنا إلى مجرد الآلات ميكانيكية بلا مشاعر. كل جميل ورائع، كل نعمة تستحيل بفعل هذه الألفة إلى شيء عادي لا يستحق منا الانتباه ناهيك عن الشكر والامتنان. ربما تكون لهذه "الألفة" وظيفة ما، وسيلة دفاعية ربما، طريقة يستخدمها عقلنا اللاواعي حتى نعتاد خيباتنا ومآسينا، حتى نتمكن من التعايش مع الحياة بكل ما فيها من أحزان.. لكن عندما يتعلق الأمر بالجوانب الجميلة من حياتنا ينبغي علينا حينها أن نستيقظ.. وأن نتدخل بكامل وعيِّنا ونوقف هذه الألفة عند حدها.

 

كتاب لو أبصرت ثلاثة أيام هو لمحة جميلة ولفتة أكثر من بارعة قامت بها إنسانة فاقدة للبصر، صرخة عالية في وجوهنا تنبهنا لنعمة هائلة في حوزتنا لكننا تنكرنا لها.. صاحبة الكتاب هي الكاتبة الامريكية هيلين أدامز كيلير، التي تعرضت منذ أيامها الأولى لمرض حرمها من البصر. تقول الكاتبة في مقدمة كتابها: لقد اقتنعت منذ زمن أن هؤلاء الذين يبصرون لا يرون إلا قليلا وتضيف: لو كنت رئيسة جامعة لفرضت مادة إجبارية حول موضوع كيف تستفيد من عيونك".

 

هذه الكاتبة التي حُرمت البصر منذ أيامها الأولى تتخيل أنها مُنحت نعمة البصر لثلاثة أيام، نعم أيها القارئ ثلاثة أيام فقط ومن ثم ستعود مجدداً لعالم الظلام الدامس الذي تعيش فيه، لو منحت هذه النعمة ما الذي ستراه، بالتأكيد لن تكفيها الثلاث أيام لترى كل شيء، لذا ستقوم بجدولة الأشياء التي ترغب برؤيتها واحداً تلو الآخر. في يومها الأول تقرر أن أول ما ستقوم برؤيته هي وجوه "من جعلوا من حياتها شيء يستحق الذكر" وجه معلمتها التي كان لها الفضل الأكبر فيما وصلت إليه، وجوه صديقاتها، ستتمعنهم كثيراً، ستحفظ ملامحهم عن ظهر قلب، وكأنها تحفر لهم في ذاكرتها صوراً تتذكرهم بها في اليوم الذي تعود فيه إلى الظلام مجدداً.

 

هيلين تتوسل إلينا أيها السادة.. أن نولي انتباها ولو قليلاً لما نملك، أن ننظر للأشياء وكأننا نراها للمرة الأولى، بعيون تملأها الدهشة، أن نشعر بالامتنان والشكر لقاء ما نملك

هل تستطيع عزيزي القارئ أن تتخيل ملامح والديك بدقة، هل تستطيع أن تذكر ملامح أصدقائك جيداً.. لا أعتقد أن أي منا يستطيع، فنحن المبصرون كما تقول هيلين مشغولون باستخدام أبصارنا في أمور أخرى.. ننظر بها نعم لكننا لا نرى بها شيئاً. في هذا اليوم أيضاً ستمعن النظر في بيتها، ألوان السجاد، الستائر، الكتب، الحروف، وعند الغروب ستنظر بدهشة لذلك المنظر الساحر للشمس وهي تغيب شيئاً فشيئاً. في يومها الثاني ستستيقظ مع الفجر، لتستمتع بشروق الشمس، تلك "المعجزة" التي سمعت بها كثيراً طوال حياتها وحاولت عبثاً أن تتخيلها في ذهنها دونما جدوى، لا بد أن تبدأ بها يومها الثاني إذن، هنا تتساءل بحرقة كيف يمكن لشخص يتلك نعمة البصر أن يغط في النوم ويفوت على نفسه هذا المشهد الساحر...! شخصياً أنا لا أذكر متى آخر مرة تأملت فيها شروق الشمس! ماذا عنكم؟ّ

 

بعدها سترغب هيلين في أن تأخذ لمحة عن تاريخ العالم، عن الماضي والحاضر.. لذا ستتوجه إلى متحف التاريخ الطبيعي.. لترى الزواحف والديناصورات التي سمعت عنهم كثيراً دون أن تتسنى لها الفرصة لرؤيتها قط. ستزور متحف الفن أيضاً لترى تلك اللوحات الآسرة التي لطالما قرأت عنها.. ستذهب لتراها للمرة الأولى والأخيرة. أما في يومها الأخير، فستبدأه أيضاً "بمعجزة" شروق الشمس، ستقضيه في شوارع المدينة تتأمل حركة الناس، شكل البنايات، المارة.. إلخ. وعند منتصف الليل ستعود مجدداً إلى الظلام.

 

ختاماً كتبت الرائعة تقول: "أستطيع أنا الكفيفة أن أعطي إشارة فريدة لأولئك الذين يبصرون.. عظة وتنبيه لأولئك الذين يرغبون في أن يستغلوا نعمة البصر: استفيدوا من عيونكم كما لو كنتم مهددين غداً بفقدها.. وما ينطبق على البصر ينبغي تطبيقه على كافة الحواس.. استمعوا إلى الصوت الجميل.. إلى هزيج الطيور كما لو كنتم ستصابون بالصمم.. المسوا كل ما يستحق اللمس.. تنسموا أريج الزهور.. تذوقوا لذة الطعام..! فإن كل هذه الحواس هبة تستحق الشكر".

 

هيلين تتوسل إلينا أيها السادة.. أن نولي انتباها ولو قليلاً لما نملك، أن ننظر للأشياء وكأننا نراها للمرة الأولى، بعيون تملأها الدهشة، أن نشعر بالامتنان والشكر لقاء ما نملك.. أن نختزن في ذاكرتنا من وجوه الأصدقاء والأحباء بقدر ما نستطيع.. فلا أحد يعلم متى سنفقدهم!

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة