محمد أمزيل
محمد أمزيل
339

من يفتح "صندوق باندورا" ويُحدث مجزرة منشار تكساس؟

20/11/2018

يضع على وجهه قناعا جلديا، يعود في الحقيقة إلى وجه إحدى ضحاياه، إنه يقتل الشخص بدون رحمة وبدون تردد بمنشار كهربائي بمقدوره تقطيع شجرة أرز عملاقة تقف بثبات في غابة كثيفة. وبعد القتل يتم تفكيك الجثة التي كانت تعود لشخص له شخصيته الخاصة وأهدافه وطموحاته، فيحتفظ ببعض الأعضاء، ويتناول بعضها كوحش بري شرس وجائع، وفي الأخير ينزع الوجه بسلخه عن الجثة ويضمها إلى مجموعته التي يحتفظ بها، ليرتديها من وقت لآخر.


عن هذا يتحدث فيلم مجزرة منشار تكساس، بجميع أجزائه، إنه يحكي عن شخص وُلد مشوه الوجه، ولم يُقبل من مجتمعه الذي كان ينعته بالمسخ، إلى أن تحول من طفل بريء إلى وحش حقيقي، ينزع الوجوه عن الجثث ويرتديها، كفكرة بأنه سيُخفي وجهه القبيح بالوجوه الجميلة، ولكن في الحقيقة لا تتغير الشخصية بالوجه. إذن إنها حكاية الوجه الذي خلق كل هذه المجزرة، فبسبب الحكم على الشخص انطلاقا من وجهه، خرج وحش يبحث عن وجه آخر، حتى يُخفي حقيقته.

لقد فُتح صُندوق بندورا، وانطلقت الشرور منه. ولكن قبل هذه الحكاية المرعبة، يجب أن نبتعد عن الوحش الذي يقتل، ونبحث عن السبب اللعين الذي خلق مثل هذا النموذج القاتل. إن البحث عن الماهية التي ابتعدت عن وجودنا وتشردت في مكان ما في هذا العالم، يجعلنا نفسيتنا تتأزم وتؤدي بنا إلى القيام بأفعال، حتى يتسنى للآخر بأن يحكم علينا انطلاقا منها، كتعبير عن الماهية المفقودة أصلا. أي أننا نفعل أمام الجميع حتى يحكم علينا بالماهية التي ابتعدت عنا. ولكن للأسف الأزلي، فإن الجميع (الوجود العام) يحكم على وجودنا الخاص ولا يحكم على تلك الماهية التي نبحث عنها.

لما كان الوجود الخاص قاسيا على التغيير، وصُدر الحكم في حقه من الجميع، فإنه يُصبح قساة ضد الوجود العام، حاقدا عليه، واضعا إفناءه كماهية جديدة لماهيته الحقيقية

إننا هنا الآن، وهذا ليس نحن كما نريد، وإنما نحن كما وُجدنا، إننا وجود بدون ماهية، إننا نبحث عن الماهية التي فقدناها، ولا نعلم هل فقدنها خلال الولادة أم قبلها، مع نعرفها هو أنها لم تعد موجودة داخلنا بعد أن ظهرنا. ولم نُدرك هذا إلا بعد أن صدمنا العالم بواقعيته المتعفنة التي تُثير الغثيان بتعبير جون بول سارتر. صُدمنا بالفعل، بعد أن جعلنا العالم نُدرك بأننا وسط مكان تختلف أجساده وتبتعد عن بعضها أكثر مما تلتقي، وتختفي لتفعل ما لم تفعل حين تظهر، وتحمل في الخفاء أكثر ما يظهر للجميع في الملأ. إنه تعدد خانق يجعل ُكلاًّ منا يتساءل "من أنا بين هؤلاء؟" من أنا؟ هو السؤال الذي نبحث له عن إجابة حتى نجد الجدوى من وجودنا في هذا العالم، لكن الجواب لا يَصدر عنا ولا منا وإنما يأني من الآخر وبتدقيق متطرف يأتي من الآخرين.


إننا نقف وسطهم ليُخبرونا من نحن، لأننا نعتقد أنهم سيُخبروننا من نحن وليس لأنهم يعلمون من نحن، وحين يُخبروننا بذلك، يُصبح ذلك تقييما؛ إنك جميل، إنك قبيح، إنك شجاع، إنك جبان، إنك صالح، إنك فاسد، إنك.. إنك.. إنه الجواب الذي يعطينا قيمة مقارنة بالآخرين، ونسعى إلى أن تكون القيمة إيجابية كما يتفق الآخرون عليها، ولا نرغب في أن تكون سلبية، إننا نفكك ونركب ونُصنف، إننا وسط مصنع للأشياء، ونحن هنا هم الأشياء والآخرون هم الآلات، التي تفعل ذلك. ولكن لا تكون هذه الأدوار والمهام أبدية وإنما متبادلة.


بالطبع، وبدون تردد سأقولها، إن الآخرين يحكم علينا من وجودنا؛ من وجهنا، من جسدنا، من مالنا، من شكلنا، من مظهرنا، إنهم يعطوننا القيمة بالفينومين (الظاهر أو الوجود) وليس بالنومين (الماهية). إنهم يحكمون على ما نحن عليه، وليس ما نرغب في أن نكون عليه، أنا الآن، لست ما أرغب في أن أكون عليه بعد الآن. إننا صيرورة لا تتوقف، لكن الجميع (الوجود العام) يقوم بتجميدنا بواسطة حكمهم، يُصنفون كالموضوعات، ويضعون لنا الأماكن دون أن يعلموا حقا من نحن، ولكنهم يعتقدون بما يرونه من وجونا على أننا هكذا. فنحن لسنا كالأشياء، فالأشياء ماهياتها تسبق وجودها، بينما نحن ماهيتنا نبحث عنها بعد وجودنا. يعني أن الأشياء جُمٍّدت منذ أن ظهرت، بينما نحن نركض ونجري بخوف وقلق وأمل في أن نكون، فالأشياء هي هي بالفعل بينما نحن لست نحن بعد.


إن الحكم الذي يُمارسه الآخرون علينا، باعتمادهم على وجودنا الخاص يجعلنا نكره هذا الوجود العام،، ونرغب في إفنائه، وتذويبه، أو حتى جعله وسيلة لنا لنصل إلى ماهيتنا ونتحد معها. والأخطر من هذا، هو أن الحكم الذي يُصدره الوجود العام على الوجود الخاص الذي لا يستطيع التغيير هو من يفتح صندوق بندورا ويُطلق الشرور منها. فكلما كان الوجود الخاص قاسيا على التغيير، وصُدر الحكم في حقه من الجميع، فإنه يُصبح قساة ضد الوجود العام، حاقدا عليه، واضعا إفناءه كماهية جديدة لماهيته الحقيقية. 

حامل المنشار الكهربائي ليس هو السفاح هنا، وإنما الضحايا هم السفاحون، إنه لا يُعبر عن نفسه كسفاح، وإنما يُعبر عن الحكم الذي صدر من الجميع في حقه، لقد نعتوه بالمسخ، معتمدين على وجهه

مواقع التواصل
 

هذا ما حدث مع السفاح، في مجزرة منشار تكساس، فقد حكم الجميع عليه انطلاقا من وجهه، الذي استعصى على تغييره، فأصبح الحكم يلاحقه، دون أن يستطيع أن يتخلص منه وأن يُؤكد العكس مُخبرا الجميع بأنه ليس كما يعتقدون، وبأن ماهيته التي يريد أن يكونها، ليست كما يظنون بحكمهم المبني على وجوده الآني. ولأنه لم يتمكن من تأكيد ذلك، غَيَّر الماهية التي يبحث عنه، وجعلها في ماهية أخرى، وهي البحث عن وجه آخر، وجعل الجميع وسيلة له لتحقيق ذلك، فلم يعد بعدها يرى الناس كوجود مثله، وإنما مجرد وسائل ستُحقق ماهيته الجديدة، وهي "الوجه الجميل".


هنا يكمن صندوق بندور الذي يحمل كل الشرور داخله، ولا يُفتح إلا بالحكم والتقييم التعسفي، إنني أتحدث عن الوجه والجسد، الذي لا نختاره، وإنما يُفرض علينا كضريبة لوجودنا، إنه شيء ضروري، لا دخل لنا فيه، ولكن الجميع يحكم علينا إنطلاقا منه، إن تقييمهم لنا، لا يعتمد على ما نريد أن نكونه والذي يظهر على أفعالنا وعلى كفاحنا، وإنما يعتمد على ما فُرض علينا كموجودات.


إن حامل المنشار الكهربائي ليس هو السفاح هنا، وإنما الضحايا هم السفاحون، إنه لا يُعبر عن نفسه كسفاح، وإنما يُعبر عن الحكم الذي صدر من الجميع في حقه، لقد نعتوه بالمسخ، معتمدين على وجهه، فتحول إلى مسخ في ماهيته، إذن هو الضحية التي تعرضت للتحويل بسبب الحكم، بينما الجميع هم السفاحون الذين فككوا وجوده بالحكم عليه ففتحوا بذلك صندوق بندورا، فركبوا مسخا حقيقيا ما كان ليكون كذلك. لقد أخذ منهم الدور الذي مارسوه عليه، فبعد أن فككوه وركبوه كما يريدون، ها هو الآن يُفككهم ولكن لا يركبهم، وإنما يُركب شخصية له من وجوههم، ومع ذلك لا يصير كما يريد أن يعتقد بأنه عليه، وإنما سُجن داخل ماهيته الجديدة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة