د.المنتصر العامري
د.المنتصر العامري
825

مع تأزم المشهد الفلسطيني.. هل نلجأ للمساومة؟

21/11/2018

اشتباكات غزّة الأخيرة ليست هي أول صدام مسلّح مباشر بين الكيان الإسرائيلي والدولة الفلسطينية، بل هي تمثّل حلقة جديدة من الصراع ونقطة انفصال لتعايش مصطنَع بين توجّهين متضاربين تقتضي توازنات النظام الدولي أن يبدُوَا متناغمين داخل إطار سلام صوري هشّ! فماهي خصائص هذه الاشتباكات؟ وما هي أهم دلالاتها؟


إنْ كان إقدام الكيان الإسرائيلي على تنفيذ عمليّة عسكريّة في خان يونس (لا زال الغموض يخيّم على غاياتها وأهدافها الحقيقيّة لحدّ الآن) واغتيال بعض قيادات حركة المقاومة يمثّل السبب المباشر لاندلاع الأزمة والشرارة التي أجّجت نيران الاشتباكات، فإنّ للعدوان أسبابا غير مباشرة وظروفا قد يكون توفّرها محدّدا لقرار التنفيذ واختيار توقيته:


* لعلّ ما تعرفه المنطقة من محاولات لإعادة رسم الخارطة الجيوسياسية وتوزيع الأوراق، وما نتج عنها من استقطاب وتحالفات وتضارب مصالح، تعدّ من أهمّ أسباب قرار العدوان الإسرائيلي. إذ وجدت عدّة دول عربية نفسها في قلب هذا الحراك ووجدت المسألة الفلسطينية (والمقاومة تحديدا) نفسها كأحد أهمّ محاور الاختلافات والخلافات.

 

مصر حاليّا ليست بالضرورة من البلدان العربية التي تساند المقاومة وتتبنى توجّهاتها ولا هي بالطرف العربي الذي يحظى بثقة وإجماع كل الفصائل الفلسطينية

وقد تكون إسرائيل رأت في حالة الانقسام العربي التي بلغت ذروتها في الوقت الراهن ظرفا ملائما لعزل المقاومة الفلسطينية والانفراد بها في محاولة لتحجيم دورها تمهيدا للإجهاز عليها في ظلّ انشغال الفرقاء بتجاذباتهم وتموقعاتهم وفي ظلّ رجحان كفة تيار دعوات ومبادرات التطبيع بأشكالها المختلفة لدى الأنظمة العربيّة داخل منظومة دوليّة ترفع شعار محاربة الإرهاب وتسعى لحشر المقاومة في زاوية الأعمال الإرهابيّة متناسية أن ما تقوم به إسرائيل من تقتيل للأطفال والمدنيّين العزّل إنما هو عين إرهاب الدولة!


* اختلاف وجهات نظر الأطراف الفلسطينية وتضارب مواقفها من المقاومة والعمليات المسلّحة، ووجود تنافر واحترازات بين السلطة الفلسطينية وبعض فصائل المقاومة المتنفّذة في القطاع (حماس تحديدا) ربّما رأت فيها إسرائيل عوامل تحفيز إضافية لصالحها لتنفيذ عدوانها على القطاع.


من ناحية أخرى، فإنّ ردّ فعل المقاومة الصارم والقوي، وما عقبه من تداعيات، لا يخلو من دلالات عسكريّة وسياسية:
* الدلالات العسكرية: أمطرت المقاومة الأراضي المحتلّة بعدد كبير من الصواريخ وكبّدت إسرائيل أضرارا ماديّة وبشرية هامّة محدثة حالة من الرعب والفزع لدى المستوطنين. وبقطع النظر عما مثّله هذا القصف الصاروخي من استعراض قوة من قبل المقاومة وإثبات لجاهزيّتها فإنّه جاء ليؤكّد تمكّنها من تطوير تقنياتها وآلياتها العسكريّة بإمكانيّاتها الذاتية المحدودة رغم الحصار المضروب على القطاع.

 

وجاءت الرسالة لتقول بوضوح إن امتلاك المقاومة لصواريخ يصل مداها إلى عدّة مناطق محتلّة، وربّما كانت بعض المدن الكبرى والمطارات في مرمى هذه الصواريخ، يعني أن المقاومة بدورها تمتلك الآن قوّة ردع وجب على إسرائيل أخذها بعين الاعتبار قبل الإقدام على أي عمل متهوّر.


* الدلالات السياسية: وهي كثيرة ومتنوّعة وتحتاج إلى قراءة متأنّية لفهم الملابسات التي حفّت بالمواجهات وخاصة لمحاولة استيعاب تداعياتها ومخلّفاتها:


* يرى البعض في قوّة رد المقاومة محاوَلةً لتطويق حالة الاحتقان التي سبقت الاشتباكات داخل القطاع وموجة الانتقادات التي وجّهها الشارع الفلسطيني للمقاومة متّهما إيّاها بالمساومة والتخلي عن مبادئها. وربّما جاء ردّ الفعل غير متناسب (أقوى) مع حجم العملية الإسرائيلية كإجابة عن تململ الشارع في القطاع وتكذيب لحملات التشكيك التي وُجّهت للمقاومة!


* وساطة مصر بين الأطراف المتنازعة وتوصّلها لإيجاد اتفاق للهدنة ووقف العمليات العسكريّة لا يخلو بدوره من دلالات. فمصر حاليّا ليست بالضرورة من البلدان العربية التي تساند المقاومة وتتبنى توجّهاتها ولا هي بالطرف العربي الذي يحظى بثقة وإجماع كل الفصائل الفلسطينية. وربّما جاء تدخّل مصر بالذات لسحب البساط من جهات عربية أخرى وتحسين العلاقات مع بعض مكوّنات المقاومة، ومحاولة الظهور كطرف تقليدي مهمّ في "الصراع العربي الإسرائيلي" للمحافظة على هامش من المناورات وضمان موقع في المشاورات والاتفاقيات اللاحقة!


* اتفاق وقف إطلاق النار عقبته مسيراتُ احتجاج وتململ في الشارع الإسرائيلي مناهضة لموقف الحكومة "الرخو" ومنادية بالصرامة والشِّدّة في التعامل مع المقاومة داخل القطاع. وإن كانت هذه الاحتجاجات تعكس ظاهريا خوف المستوطنين وفقدانهم للشعور بالأمان، فإنّ لها خلفيّات سياسية لعل أبرزها محاولة إرباك الائتلاف الحاكم وتفكيكه؛ وربما جاءت استقالة وزير الدفاع الإسرائيلي ليبرمان التي عقبت الاحتجاجات في نفس سياق هذه التجاذبات السياسية الداخلية وفي محاولة لاستثمار نزوع نتنياهو للتهدئة وتوخّيه ما سمّي بسياسة "الراية البيضاء" وإظهاره في مظهر المتلكّإ والعاجز عن التعاطي بشدّة مع المقاومة، وربّما لطرح نفسه كبديل صارم وشجاع لكسب مساندة بعض الكتل الناخبة.

من الواضح أنّ تداعيات اشتباكات غزّة الأخيرة ودلالاتها هي سياسية بالأساس وهي لا تخلو من الجوانب الرمزية والرسائل التي تحتمل قراءات مختلفة حسب المواقع والمواقف

رويترز
 

* السلطة الفلسطينية لم تصدر موقفا رسميا واضحا للتنديد بالعدوان وربما وجدت نفسها في حرج فهي من ناحية توخّت توجّها تفاوضيّا سلميّا وتتبنى التهدئة في مواقفها ومن ناحية أخرى هي لا يمكن أن تكون ضدّ تيّار التوجّه الشعبي الداعم للمقاومة والرافض للعدوان؛ وربّما شجّعها على السكوت ضآلة حجم الخسائر مقارنة بالمواجهات السابقة (2008، 2012 و2014).

 

هذا السكوت الرسمي قابله تكوين غرفة عمليات مركزية موحّدة للمقاومة بالقطاع وفي ذلك رسالة رمزية فحواها أنّ الاختلافات في التوجّهات بين مختلف الفصائل لا تعني البتّة الاختلاف حول رفض العدوان والعمل المنسّق لدحضه والتصدي له. وحسب اعتقادنا، فإنّ الاجتماع الطارئ لمجلس الجامعة العربية على مستوى المندوبين الدائمين، الذي "ندّد باستخدام إسرائيل للقوة المفرطة وطالب بتوفير حماية دولية للشعب الفلسطيني"، يندرج أيضا ضمن خانة ردود الأفعال الرمزية نظرا لما تمرّ به الدول العربية حاليا من انقسامات وتضارب مصالح كما أسلفنا.


في الختام، من الواضح أنّ تداعيات اشتباكات غزّة الأخيرة ودلالاتها هي سياسية بالأساس وهي لا تخلو من الجوانب الرمزية والرسائل التي تحتمل قراءات مختلفة حسب المواقع والمواقف. وتظل القراءة الأقرب لوجدان الشارع العربي هي أنّ القضيّة الفلسطينية لاتزال تحتفظ بخاصيّتها المركزيّة في قلب جميع قضايانا، رغم تشعّب هذه القضايا وتنوّعها في الوقت الراهن ورغم تعاطي الحكومات معها وفق مِحرار المصالح القُطْرِية أو الإقليمية الضيقة. وبالتالي، يجب أن يبقى حقّ الشعب الفلسطيني رقما مهمّا في كل المعادلات ومعطًى جوهريا في كل التحالفات والتوازنات التي تشهدها المنطقة.

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة