محمد الخشاب
محمد الخشاب
531

محنة الأدب.. شوبنهاور يروي الحكاية!

29/11/2018

"القراءة إن هي إلا التفكير برأس إنسان آخر"

- آرثر شوبنهاور


كاتب هذه الجملة هو الفيلسوف الألماني، ذائع الصيت معروف السيرة، قوي الفكر، خلّاق لفلسفة الحزن والتشاؤم، الوحيد المنعزل، الذي اجتمع حول سيرته الكثيرون، شاعت فلسفته بين الناس، لكن أدبه لم ينَل الحظ ذاته، عرفه الكثيرون فيلسوفًا، ولم يعرفه ناقدًا أدبيًا إلا الصفوة من أهل الفكر والأدب؛ إذ هو واحد من قلة قليلة بين الفلاسفة، تعتني بالأسلوب عناية خاصة، وتتحرى الدقة والوضوح، وتتجنب ظلمة التعقيد، وهجنة الغموض، ولذلك دائمًا ما امتاز نقده بالسداد، وصراحة الرأي، وقوة الحجة، وبعد النظر.

أنواع المؤلفين

تنفيذًا لجملته التي افتتحنا بها المقال، سنفكر هنا برأس شوبنهاور، ونكتب بقلمه، ونعبر عمّا كان يراه في محنة الأدب الألماني خاصة والآداب الأخرى عامة، وإن جميع ما كتب ليناسب ما يعيشه الأدب العربي هذه الأيام، وتتألم منه اللغة العربية، ضعفًا، وركاكة، وتهميشًا، نطرح عليه الأسئلة، ليجيبنا تارة إجابة فلسفية دوارة، وأخرى أدبية خالصة، تلمس فيها روح الناقد، والأديب، سألت شوبنهاور:


"ما أنواع المؤلفين؟" فأجاب: "المؤلفون نوعان: نوع يكتب من أجل الموضوع الذي يتناوله، ونوع يسود الورق من أجل الكتابة ذاتها، وأولئك الذين يكتبون من أجل الموضوع، تكون قد عنت لهم ضروب من الفكر، أو مروا بأشكال من التجربة، يجدونها جديرة أن يلم بها الآخرون، أما الذين يتخذون الكتابة حرفة، فلا هم لهم إلا جمع المال، والتعيش بالقلم، وهم أناس لا تخطئهم العين البصيرة".


ما أصدقها من إجابة تجري مجرى الحكمة ما دامت الأرض! إذ أن النوع الأول نادر، ندرة الماء في جبال لا تنزل فيها المطر، والنوع الآخر كثيرٌ، منتشر، تعرف الواحد منهم من ميله إلى استنفاد الخاطر الذي يعن له، والفكرة التي تنبت في رأسه، في أطول سرد ممكن، وأعقد سرد مستطاع، بعيدًا عن البناء، والتقويم، والمراجعة، أفكارهم معظمها أنصاف حقائق، تهمع في الخطأ، وتتأرجح في المغالطات، وتنضح بالتصنع والافتعال، والحقيقة أن المؤلف الثاني الذي يقدم على فعل ذلك، دون تورع أو خشية، مذنب؛ إذ يخدع القارئ ويغرر به، ويدعي أن لديه ما يقال، بينما هو في الحقيقة غير قادرٍ على قول شيء.

التربح من الكتابة

المال المرتبط بالكتابة دائمًا ما تلحقه لعنة أبدية، وما وجد كاتب أجرى قلمه في سبيل المال إلا وحلت به لعنة الضعف، والركاكة؛ فتهاوى إلى الحضيض

طرحت سؤالًا ثانيًا: "ماذا ترى في التربح من الكتابة؟" فأجاب:
"لقد كان شيوع التربح من وراء الكتابة، وبدعة حفظ حقوق النشر، سببًا في ضيعة الأدب، لأنه ما من كاتب استطاع أن ينتج ما هو جدير بأن يقرأ، إلا وكان ما كتبه قد استهدف الموضوع، لا المال، ولكم يكون من النعم الكبرى على الأدب، أن يخلو كل فرع من فروعه مما يزحمه من كتب، إلا أقل القليل منها مما يتميز بالرفعة والتفوق، ولكن هذا أمر غير مستطاع، ما دام بوسع محترفي الكتابة أن يتعيشوا من ورائها".


المال المرتبط بالكتابة دائمًا ما تلحقه لعنة أبدية، وما وجد كاتب أجرى قلمه في سبيل المال إلا وحلت به لعنة الضعف، والركاكة؛ فتهاوى إلى الحضيض، بل إن أفضل ما أبدعته قرائح الكتب، يعود إلى زمن كان الكاتب فيه يكتب من أجل الكتابة، لا من أجل شيء آخر، فهذا هو الرافعي، يكتب أبلغ ما يمكن أن تقرأه عينك، بأقل ثمن، وذلك العقاد، يقدم المعرفة والفكر مقابل ملاليم، لا تعينه إلا في أمره اليومي، وغيرهم كثر، ممن كتبوا، لأن الكتابة أكسجينهم الحقيقي، لأنها تعبر عنهم، لأن الأقلام تحمل كلماتهم إلى حيث لا تصل أقدامهم، لأن الدفتر يحمل أصواتهم، ويشهرها في وجه من يخشاها.

المخالفة طريق الشهرة

سألت شوبنهاور: "ما رأيك فيمن يخالف المُسلّم به حتى يعرفه الناس؟" فأجاب: "المعروف أنه على من يصبو إلى أن يجد له مكان في مجال العلم، أو يترك أثرًا باقيًا، أن يأتي بجديد، إلا أن ذلك قد لا يعني في أكثر الأحيان، إلا قيام الكاتب الباحث عن المكانة والصيت، بمهاجمة نظرية تم التسليم بصحتها والبرهنة عليها، محاولًا تخطئتها وهدمها وتسفيهها، ليفسح لنظرية زائفة مما يتفتق عنه ذهنه الضحل".


ما أكثر هؤلاء بيننا هذه الأيام، وإن عملهم هذا قد ينجح أحيانًا، لبعض الوقت، في خداع الناس، إلا أن نجاحه لا يطول، فما يلبث العلم أن يعود إلى أصوله السليمة، ويلفظ هذه الفيروسات؛ فأولئك المجددون لا يعنيهم أي شيء في الوجود إلا ذواتهم، وهي في الحقيقة كل ما يحاولون إبرازه، وإقحامه في المشهد، وهم بذلك يتصورون أن أيسر الطرق إلى الشهرة، بكتابتهم عن كل ما يخالف ما يُسلم به الناس، وما ذلك إلا لأن رؤوسهم العقيمة لا تستطيع بطبيعتها إلا أن تنتهج منهج النفي.

فقه العنوان

سألت: "ما رأيك في ضوابط اختيار العنوان؟" فأجاب: "إن الهدف الأساسي من العنوان تقديم الكتاب، ويتعين أن يكون مختصرًا؛ ذا مغزى، من قبيل ما قل ودل، فيبرز مضمون الكتاب كله، أو المقال؛ فالعنوان المطول عنوان رديء، ومثله العنوان الذي لا يقول شيئًا، والغامض الذي يحتمل أكثر من فهم وأكثر من تفسير، كما قد يكون العنوان زائفًا ومضللًا، وذلك الصنف الأخير بوجه خاص، يلقى صاحبه جزاءً عاجلًا".


كثيرًا ما شاع بين الكتاب، الشباب منهم خاصة، حمل العنوان على الغموض، والإبهام، والمخالفة، والتهويل أكثر منه إلى التعبير، والإيجاز والوضوح، ولكن أكثر العناوين طُرًّا، المسروق منها، وهو المأخوذ من عناوين كتب أخرى، فهي سرقة أدبية مفضوحة، وهي كذلك تقوم دليلًا دامغًا على انعدام الأصالة؛ فالكاتب الذي يعجزه ابتكار عنوان لكتابه أو مقالة، يكون بلا شك أقل قدرة على تقديم أو طرح أي قيمة أو فكرة.

يخلص شوبنهاور في هذه المحطة الأولى من رحلته أن محنة الأدب في هذه الأيام مرجعها إلى أن كل من أعوزه المال يستطيع أن يجلس إلى مكتبه ويدبج شيئًا يبيعه، ما دام الناس من الغفلة والغباء؛ حيث يشترون كل ما يطبع

مواقع التواصل
 
المادة والشكل والشهرة

تابعت: "ما العلاقة بين المادة والشكل؟" فأجاب شوبنهاور: "المادة هي كل ما يقع في نطاق تجربة الواقع، كأحداث التاريخ، وحقائق الطبيعة، مأخوذة في ذاتها، ومنها يتألف ذلك الشيء الذي يتناوله الكاتب، والذي يعطي الكتاب طابعًا وشخصية، أما من حيث الشكل فتنبع شخصية الكتاب وطابعه المميز من شخص كاتبه، وإن نهج الكاتب في تناول المسائل ومضمون فكره عنها هما اللذان يضيفان على الكتاب طابعه".


ولذلك عندما يحوز أحد الكتب شهرة لدى الناس، يجب العناية باستظهار أساس تلك الشهرة، أهي قائمة على المادة أم هي نتاج الشكل، فالكتب التي تكتسب أهميتها من مادتها، غالبًا ما تكون قد كتبت من بسطاء الناس، الذين يعيشون تجارب يكتبون عنها ولا تتكرر مع غيرهم، أما الكتب التي تكون مادتها معروفة، متاحة، فإن قيمتها وجدواها، يقومان على الشكل، وعلى قدرة الكاتب في استظهار أفكاره وجدتها وأصالتها، لأنه لا يكون في وسع أي إنسان، أن يعالج المادة المتاحة معالجة جديرة بالقراءة، إلا كاتب متفرد، بأسلوبه وطريقته، والجمهور أبدًا معني بالبحث عن المادة، أكثر من عنايته بالشكل.

أنواع الكُتّاب

سألت: "هل ترى تصنيفًا للكتاب، لا يخرج عنه أحد؟" فأجاب: "الكتاب ثلاثة، كاتب يكتب دون أن يجهد رأسه بمشقة الفكر، بل يستمد من ذاكرة حافلة، وآخر لا يشغل رأسه بالفكر إلا لحظة أن يمسك القلم، وثالث لا يتناول موضوعه بالكتابة إلا بعد أن يكون ذلك الموضوع قد اكتمل في ذهنه، وقلّبه فكره على مختلف وجوهه". الأول من أولئك، واحد من سواد أعظم لا يُحصى عدده، والآخر من صنف لا ندرة فيه ولا قلة، أما الثالث، فهو الاستثناء من القاعدة، وهو النادر عزيز المنال.

المحنة

يخلص شوبنهاور في هذه المحطة الأولى من رحلته أن محنة الأدب في هذه الأيام مرجعها إلى أن كل من أعوزه المال يستطيع أن يجلس إلى مكتبه ويدبج شيئًا يبيعه، ما دام الناس من الغفلة والغباء؛ حيث يشترون كل ما يطبع، ولقد كان من آثار تلك المحنة ضيعة اللغة، بعد ضياع الأدب وهو وزر ثقيل في أعناق ذلك الحشد الهائل من محترفي الكتابة، الذين يكسبون عيشهم من وراء هوس الناس بالإقبال على كل مستحدث من الكتب، فكيف يقوم الأدب من محنته؟

#يتصدر_الآن

  • أضف تدوينة
  • أضف تدوينة مرئية
  • أضف تدوينة قصيرة